«لا تتوقف الهواتف في بغداد عن الرنين»، حسبما يقول المقربون من رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي، فالجميع يريدون فهم تحركات معقدة ستجري خلال الساعات المقبلة، على وقع حملة عسكرية لضبط الحدود مع إيران وسورية، واحتكاكات غير مسبوقة مع الفصائل الموالية لطهران.

ويستعد الكاظمي إلى زيارة للسعودية نهار الثلاثاء، وسيمضي بعدها الليل في طهران، كاسراً العرف السائد، حيث كانت أول زيارة للرئيس محصورة بطهران قبل الرياض.

Ad

ويبدو أن كسر هذه القاعدة دفع الإيرانيين إلى كسر قواعدهم أيضاً، فالزيارة الرابعة التي يقوم بها وزير الخارجية الإيراني محمد ظريف للعراق خلال ولايته، والمتوقعة صباح اليوم، مختلفة عن سابقاتها، إذ تؤشر إلى نوع من الشعور الإيراني بتغير قواعد العمل البغدادية.

وتذكر المصادر المقربة من الحكومة العراقية، لـ «الجريدة»، أن العراقيين عادة ما يبعثون وفداً فنياً من وزارة الخارجية يسبق رئيس الحكومة إلى طهران بيومين لترتيب متطلبات الزيارة، لكن الإيرانيين قرروا هذه المرة عكس القاعدة، فأرسلوا هم وفد الاستطلاع، بل وصل الأمر إلى إرسال ظريف بنفسه لا معاونيه، كي يمهد للقاء المرتقب بين الكاظمي والمرشد الأعلى علي خامنئي، وهو لقاء يتوقع أن يشهد حواراً ساخناً من الطرفين حول الميليشيات والوجود الأميركي في العراق، سبقه حديث وصف بغير المعتاد مع ضباط حرس الثورة الإيراني المبتعثين أخيراً.

وقالت مصادر مقربة من طهران مراراً إن زيارة ظريف تأتي لمتطلبات عملية، حيث ستوفر بعض الجهد وترسم ملامح الرسالة التي تريد إيران بعثها إلى السعودية عبر الكاظمي، لكن المصادر المحيطة بالكاظمي تنبه إلى زاوية جديدة، قائلة: «طلبنا من الإيرانيين أجندة حوار بين بغداد وطهران، تسبق أي رسائل قد نحملها للأطراف العربية في الرياض وسواها».

وتضيف المصادر أن طهران حبذت أن يذهب الكاظمي إليها أولاً، لكنها فشلت في تغيير المواعيد «المقررة سلفاً ضمن ظروف استثنائية اقتصادية وأمنية».

وتلفت إلى أن النقاشات تطرقت إلى وجود ضغوط كبيرة داخلية تفرض وضعاً جديداً يجب أن تتفهمه طهران، وأن الاتصالات تضمنت تعبيراً من قبيل أن «الفشل العراقي سيكون عبئاً على الإيرانيين أنفسهم، ويجب إيقاف الضغط على بغداد بسلاح الميليشيات»، كما تضمنت الإشارة إلى أن الرأي العام العراقي، بعد احتجاجات أكتوبر الواسعة، يمارس ضغطاً أقوى على حكومته كي تقيد الفصائل وتصحح العلاقة المختلة مع إيران بعمق.

واستخدمت المصادر تعبير «أن دبلوماسية بغداد ما بعد احتجاجات أكتوبر التي خلفت نحو ٣٠ ألفاً بين قتيل وجريح مدني عراقي، ستكون مختلفة، لأن الرأي العام أصبح يتدخل بشكل عميق في سياسة الحكومة، فهو يدعمها بقوة، ويمكن أن يعرقلها ويسقطها في الوقت ذاته، والرهان على عمل مشترك يلتقي في المطالب الإصلاحية التي يؤمن بها الكاظمي ومحتجو أكتوبر».

ويركز فريق الكاظمي على كسب ثقة الجمهور، استباقاً لاحتجاجات قد تستأنف خلال الفترة المقبلة، وكرر الكاظمي أنه سيصدر قائمة بالضحايا الذين سقطوا منذ أكتوبر ومنحهم امتياز الشهداء المعنوي والمادي وتلبية مطالبهم، التي كان على رأسها حياد بغداد في الأزمة بين واشنطن وطهران.

ويتوقع أن تشهد زيارة الكاظمي للسعودية تنشيط التعاون الاقتصادي في مجال الطاقة والاستثمارات العربية، بعد تحرك بغداد لتوفير بيئة يفترض أن تصبح مستقرة تدريجياً، تتضمن ضبط الحدود مع سورية وإيران خصوصاً، وإصلاح النظام المصرفي وضبط سلاح الميليشيات، رغم ما يكتنف ذلك من مصاعب وردود فعل لا تخلو من مخاطر جديدة.