توكل الأربعة على ما تبقى لهم من بنزين متوافر وقرروا أن يزوروا ضيعتهم في الشمال اللبناني، وربما للمرة الأخيرة قبل أن يدخل البلد في العتمة الكاملة!! ككل لبناني ولبنانية تحاول الأغلبية أن تثور وتعيش معاً، وهي معادلة تبقى صعبة، ولكن من يتقن فن العيش كاللبناني؟ هم من عاشوا سنوات حرب أهلية طاحنة وذاقوا كل أهوالها، وحتى عندما تكالب الجميع عليهم بشكل مباشر أو غير مباشر بقوا "متأملين خيرا"، وما إن خرجوا ليتحسسوا ما تبقى من معالم بلدهم التي كانت، بعد ما يقرب من العشرين عاما، لم يجد ذاك الطفل أي أثر لسوق الطويلة ولا سرسق إلا حجارة على حجارة.

مشاريع مرت منذ ذاك اليوم حتى 2020، مشاريع عديدة لا يلتقي لبنانيان اليوم إلا ويختلفان عليها، وبعدها لم تتوقف الحروب الخارجية والداخلية التي تطل برأسها من السماء والبحر، وترسل قنابلها وصواريخها وحربها الإعلامية، تدك البيوت بل تمحو أحياء بأكملها، ولكنها لم تستمر في معظمها لفترات طويلة، وفي كل مرة يقوم اللبناني واللبنانية بنفض غبار القصف، وغسيل بقع الدم العالقة على الأرض وفي الوجدان، ويعود الجميع إلى الحياة التي يريدونها لبلد مثل لبنان بلدهم.

Ad

الحديث في السيارة المنطلقة من بيروت إلى الشمال لم يكن إلا حول هذه الحرب الحالية الجديدة، حرب العتمة التي لم يشهدوا لها مثيلاً، لن تنفع الشموع رغم أنها نفدت من الأسواق، أو ربما أخفاها تجار "الحروب" وأعادوها للأرفف بأسعار تحمل أصفاراً تصعب قراءتها، ينام اللبناني على سعر للدولار ويستيقظ على سعر آخر، حتى أصبح السؤال قبل "صباح الخير كيفكم اليوم" هو "كم صار الدولار اليوم؟" أو "صحيح وصل عشرة آلاف؟".

المشوار طال على غير المتوقع نتيجة "عجقة السير" التي اختفت منذ أن حلت العتمة، لكنها عادت فلم يعد للبناني سوى تكرار "البحر من أمامه وانقطاع الكهرباء والطقس الحار من خلفه"، يرحل إلى الشمال بحثا عن شاطئ بمعادلة صعبة جداً، وهي أن يجد شاطئا لم يتلوث بعد، ولم تصله أيادي المتربصين لتسويره، وتحويله إلى منتجع تتغير فيه الأسعار في بورصة الدولار مقابل الليرة!

الحديث لا يمكن إلا أن يكون عن قتل اللبناني جوعاً، وليس برصاصة قناص أو صاروخ إسرائيلي (قانا وأخواتها) كما كان حاله في حروبه المتعددة، كثرت أخبار وصور المنتحرين في وضح النهار لأنهم لم يعودوا قادرين على تحمل أن يروا أطفالهم يتشوقون للمنقوشة في الصباح، والتي دخلت هي الأخرى في بورصة المضاربات، فمن الألف ليرة أصبحت أربعة آلاف، والإشاعات تطولها بأنها ستصبح من الرفاهية!!

رحلت اللحمة في بلد الكبة النية والهبرة، واختفى الشيش طاووق من موائد اللبنانيين، وأصبحت فواكه الصيف كالمشمش والكرز للفرجة في فاترينات محلات الفاكهة الملونة وبائعي الخضار الذين هم الآخرون بدأوا يحسبون أيامهم الأخيرة، أما الفستق في بلد الفستق الحلبي فقد استبدل به "الكاجو" المستورد الأرخص كلفة، والبوظة العربية بالقشطة لم تعد تغطى بالفستق، فهو الآخر أصبح من الكماليات، والزعتر الذي ينبت عند كل باب في قرى لبنان شح أو طالته نار الدولار في مقابل الليرة!! أما مكوناته الأخرى مثل السماق والسمسم لعمل المنقوشة الساخنة الشهية فهذه قد اختفت من المطاحن، المنقوشة والبرغل بالبندورة أكلات يسميها كثير من اللبنانيين أكلة الفقراء كالفول والكشري في مصر لم يعد للفقراء لا أكل ولا حتى قبر في لبنان، وصديقتي التي تعمل بكل ما أوتيت من ابتكار لتوفير وجبات لعائلتها دون أن تحسسهم بوطأة الأوضاع وغلاء المواد الغذائية، تصاب بالهلع عندما يقول لها "الدكنجي" إن البرغل شح هو الآخر والمتوافر منه مستورد!!

حاول الأربعة أن يغيروا دفة الحديث إلى مواضيع عدة ليس بحثا عن أمل، بل محاولة للبقاء على ذاك التراث اللبناني العريق وهو حب الحياة، أحدهم أو أكبرهم سنا يردد مع نفسه، وهم في طريق العودة بعد يوم طويل وبيروت عروسهم تبدو من بعيد غارقة في ظلمة حالكة "يا عمي والله الحياة حلوة"، ويحبس دموعه فهو العاشق لأرضه، هو الذي ترك تلك الجنسية الخمسة نجوم والوظيفة "البرستيج" والمنزل المريح في العاصمة البعيدة ليعود يبكي على أطلال بيت "العائلة" المبني من حجر الجبل، ما زالت جدرانه وشجرة التين وبئر الماء هناك تخزن صوره وإخوته وأمه عند باب منزلهم في زمن الكرامة!! ها هو الآن يعود من البكاء على أطلال ضيعته وبيت طفولته إلى مدينته الساكنة في صمت لم تعرفه حتى في سنوات الحرب الأهلية، والمطاعم والمتاجر أوصدت أبوابها أو في حرب مع الدولار والزمن، استقبلتهم بيروت دون أن ترفع عينيها لتنظر إليهم كعادتها مرحبة بعودتهم لحضنها، بيروت اليوم لا تشبهها إلا غرناطة، كان اللبنانيون أثناء الحرب يرددون على أصدقائهم العرب وغيرهم "نحن بخير طمنونا عنكم!" هم وبيروت وكل لبنان ليسوا بخير، فلا تتركوا لبنان وحيدا.

* ينشر بالتزامن مع "الشروق" المصرية