هناك إجماع فلسطيني على أهمية تفعيل المقاومة الشعبية باعتبارها الشكل الأمثل في هذه المرحلة للنضال ضد مخطط الضم والتهويد، وإذ يواجه الشعب الفلسطيني تحديات غير مسبوقة عبر مخطط الضم وصفقة ترامب تستهدف تصفية وجوده، ومستقبله، وحقه في تقرير المصير، فقد صار واضحا أن الضم جزء من استراتيجية أوسع للحركة الصهيونية تتضمن مرحلتين:

الأولى: ضم وتهويد ما لا يقل عن 62% من الضفة الغربية بالمصادرة، والاستيطان، والجدار، وتقطيع الأوصال، وأخيرا بالخطة الأخيرة التي أعلنها نتنياهو، وما يجري هو تكرار حرفي لما فعلته إسرائيل بأراضي 1948.

Ad

الثانية: محاولة ترحيل الشعب الفلسطيني من خلال القمع والتنكيل، والتضييق عليه اقتصاديا، واجتماعيا، وإنسانيا.

لا يوجد ما هو أفضل من ثلاث وسائل لإفشال هذا المخطط: تعزيز الصمود والبقاء على الأرض، والمقاومة الشعبية الواسعة والفعالة، واستنهاض أوسع حملة للمقاطعة وفرض العقوبات على منظومة الأبارتهايد التي أنشأها حكام إسرائيل، وإذا كانت الانتفاضة الأولى وسفن كسر الحصار على غزة، وقرى المقاومة الشعبية مثل باب الشمس، وأحفاد يونس، وهبة الأقصى، ومسيرات العودة وكسر الحصار، نماذج فعالة للمقاومة الشعبية، فقد نشأت أحيانا تحت اسمها أنشطة اتسمت بالاستسلام للروتين والضعف من حيث المشاركة الجماهيرية أو التأثير.

ولأننا على أبواب مرحلة جديدة يُجمع فيها الجميع على أهمية المقاومة الشعبية فلا بد من إعادة التذكير ببعض الأساسيات:

أولا: المقاومة الشعبية لا تنفي ولا تتعارض مع أشكال المقاومة المشروعة الأخرى التي استخدمت سابقا، والتي يقرها القانون الدولي والإنساني، بما فيها المقاومة المسلحة، ما دامت تحترم وتلتزم بالقانون الإنساني الدولي.

ثانياً: إن تجربة الشعب الفلسطيني منذ أوائل القرن الماضي أثبتت أن أكثر أشكال المقاومة تأثيراً هي المقاومة الشعبية، وأبرز نموذج لذلك كانت الانتفاضة الأولى.

ثالثاً: المقاومة الشعبية لا تصل الى مرحلة النضوج إلا بإشراك فئات شعبية واسعة فيها، ولذلك تسمى شعبية، وإذا كان من الممكن القبول في بعض المراحل الأولية بنشاطات تشارك فيها أعداد محدودة، فلا يمكن أن توصف المقاومة بصفة الشعبية إن اقتصرت على عدد قليل من النشطاء، الذين يتنقلون من موقع الى آخر، مصطحبين بعض المتضامنين معهم أحيانا، ودون أن ينجحوا في إشراك فئات أوسع بمن في ذلك أهل موقع الحدث للمشاركة في النشاط.

رابعاً: المقاومة الشعبية ليست، ويجب ألا تكون، مؤسسة رسمية تعتمد على التوظيف للنشطاء، ولا يمكن أن تكون منظمة غير حكومية تعتمد على التمويل الخارجي، بل جوهرها هو المشاركة التطوعية والمساهمة الطوعية، وهي ليست احتكاراً أو حكراً على مجموعة أو مجموعات، بل حركة مفتوحة للمساهمات الشعبية المتنوعة على أشكالها.

خامساً: إن جوهر المقاومة الشعبية يتمثل بمبادئ تجسدت في الانتفاضة الأولى، وهي تنظيم النفس، والاعتماد على النفس، وتحدي إجراءات الخصم والتمرد عليها، أي تحدي الاحتلال الإسرائيلي ونظام الفصل العنصري وقوانينه، وأسلوبها الرئيس خلق حالة «الحيرة» لدى الخصم، أي جعله يخسر إن تصدى لفعل أو نشاط المقاومة الشعبية، ويخسر إن سمح له بالنجاح. وليس ذلك سهلاً دائماً، كما أنه ليس ناجحا بالكامل دوما، ولذلك فإن نجاح فعل المقاومة الشعبية مثل كثير من الأفعال يعتمد على:

1- حسن التخطيط للحدث.

2- الإمساك بزمام المبادرة والانضباط في التنفيذ.

3- القدرة على التحكم بكل مراحل النشاط، والتحكم في لحظة البدء والتحكم خلال النشاط وأهم شيء التحكم في لحظة انتهائه، وإن أهم هدف للخصم سيكون دفع المشاركين للخروج عن خطتهم وانتزاع زمام المبادرة منهم، وإن نجح في ذلك فسيلغي مفعول النشاط لأن حالة «الحيرة» لن تتحقق، ولا بد هنا من ترسيخ القناعة بأن معيار القوة هو تحقيق الهدف من النشاط لا الاستعراض الكلامي أو الجسدي، كما أن الوجود الإعلامي مهم لحماية النشاط ولردع الخصم من استخدام العنف المفرط، وإحداث التأثير الشعبي المحلي والعالمي. 4- قوة المقاومة الشعبية تعتمد على قدرتها على التنظيم والابتكار والتجديد والإبداع، وكذلك قدرتها على المرونة في التعامل مع الظروف المتغيرة.

سادساً: الوحدة، والشراكة، والحزم، في ممارسة المقاومة الشعبية:

1- الوحدة، وحدة الجميع، ولا شك أن المؤتمر الصحافي المشترك لحركتي «فتح» و«حماس» أظهر إمكانية تجاوز الانقسام الداخلي وتعاون جميع القوى الفلسطينية في تنظيم مقاومة شعبية مؤثرة وواسعة، فغياب الوحدة يضعف المشاركة، وغياب الوحدة يستخدم ذريعة لتبرير التقاعس من قبل المترددين والمشككين، وغياب الوحدة يعزز الطابع الفئوي العصبوي الكفيل بأن يكون سما قاتلا لأي تحرك شعبي.

2- الشراكة، الشراكة في القيادة، والمشاركة في التخطيط، والشراكة في التنفيذ من أعلى السلم إلى أدنى درجة فيه، فبدون الشراكة والإحساس بالملكية الجماعية للفعل النضالي لن يشارك معظم الناس.

3- الحزم في تبني استراتيجية وطنية كفاحية بديلة تتخلى عن وهم إمكانية الوصول إلى حل وسط مع المحتلين، وتؤمن بإمكانية تغيير ميزان القوى عبر هذه الاستراتيجية.

* الأمين العام لحركة المبادرة الوطنية الفلسطينية