يبدو أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أصبح مستعداً لتفاهم مع الاتحاد الأوروبي، حول موقف مشترك يستهدف مواجهة التهديد الصيني. ولكن عرضه، في هذا السياق، يأتي في وقت أعرب فيه كثير من القادة الأوروبيين عن أملهم في أن تسفر الانتخابات الرئاسية الأميركية عن خسارة ترامب، وبعد ثلاث سنوات من تبخر الثقة بالولايات المتحدة بصورة تامة!

وكان وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو صرح، بشكل غير متوقع في الأسبوع الماضي، بأن الادارة الأميركية قبلت اقتراحاً لإجراء حوار أميركي- أوروبي جديد حول الصين، تقدم به مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل.

Ad

وأعرب بومبيو، في مؤتمر بمنتدى بروكسل السنوي، عن استياء واشنطن من تجاوزات بكين، مشيراً بصورة خاصة إلى "خطر الحزب الشيوعي الصيني"، مع اتهام الصين بإخفاء معلومات عن انتشار وباء كورونا المستجد.

واتهم الوزير الأميركي الصين بـ"إثارة أعمال عسكرية استفزازية"، شملت ما وصفه بالعدوان المستمر على بحر الصين الجنوبي، والمواجهة الدامية مع الهند، والمضي في برنامج نووي غامض وتهديد لدول الجوار.

كما اتهم بكين بنقض "الالتزامات الدولية" المتعددة، بما فيها ما يتعلق بمنظمة الصحة العالمية ومنظمة التجارة الدولية والأمم المتحدة، وشعب هونغ كونغ، اضافة الى تجاوزاتها على صعيد التعاملات الاقتصادية، مثل محاولة إجبار الدول على القبول بالتعامل مع شركة هواوي الصينية، التي اتهمها بأنها ذراع الحزب الشيوعي الصيني، وهو ما نفته الشركة مراراً.

مواجهة التحدي المشترك

وقال بومبيو، في مستهل كلمته في المنتدى: "بدأت أشعر بقدر أكبر من الواقعية الأوروبية في إدراك الخطر المتمثل في الحزب الشيوعي الصيني، ويتعين علينا مواجهة التحدي بصورة مشتركة، وعلى شكل شركاء في تحالف أطلسي سبق أن واجه الكثير من التحديات".

ولكن الحلفاء في القارة الأوروبية لمسوا درجة ضئيلة من جانب الرئيس ترامب للعمل على شكل شريك أطلسي، خلال السنوات القليلة الماضية، عندما انسحب من الكثير من الاتفاقيات الدولية المدعومة من جانب الاتحاد الأوروبي ودول حلف شمال الأطلسي، وفي حقيقة الأمر، فإن الأجزاء الاخرى من خطاب بومبيو، بما في ذلك قرار ترامب المفاجئ بسحب الآلاف من الجنود الأميركيين من ألمانيا قد عزز تلك الخلافات.

ثم إن قبول بومبيو باقتراح بوريل كان لافتاً جداً، لأنه سبق أن تجاهل ذلك الاقتراح في مؤتمر مع نظرائه الأوروبيين قبل أكثر من أسبوع وأعرب عن تشجيع محدود له فقط. ومنذ ذلك الوقت قلل بوريل نفسه من أهمية مبادرته قائلاً إنها كانت مجرد فكرة طرحها ليس إلا، ولكن المعالم السياسية تغيرت في الأيام العشرة الأخيرة، بعد أن عقد قادة أوروبا "قمة" افتراضية مع الرئيس الصيني شي جين بينغ ورئيس وزرائه لي كيغيانغ، شددوا فيها بقوة على العمل مع بكين، كما أعربوا عن مخاوفهم من المعلومات المضللة، ومن قضايا حقوق الانسان وأسلوب القمع المستخدم في هونغ كونغ، وفي غضون ذلك، قام الرئيس ترامب بتنظيم مهرجان ضعيف وكارثي ومحدود في تولسا بولاية أوكلاهوما.

كتاب بولتون

ووصف كتابٌ لمستشاره السابق للأمن القومي جون بولتون، الرئيس ترامب بأنه ليس أهلاً للحكم وجاهلاً بأساسيات الحياة، وأنه تراجع في استطلاعات الرأي ضد منافسه جو بايدن، وحتى قبل نشر ذلك الكتاب تم تداول نسخ منه في أوساط السياسيين الأوروبيين رفيعي المستوى الذين يظنون أن تصرفات ترامب لم تترك لهم الكثير من قبيل المفاجأة، وأنه سأل ذات مرة هل إن فنلندا جزء من روسيا؟

وأعرب بومبيو في كلمته أيضاً، خلال فترة الأسئلة والأجوبة في خطاب الأسبوع الماضي، عن دعم واسع لاقتراح بوريل، وقال إنه يأمل في السفر الى أوروبا، "خلال أسابيع قليلة"، من أجل اطلاق بداية حوله، وأضاف: "يسعدني أن أعلن قبول الولايات المتحدة باقتراح بوريل حول بدء حوار بين واشنطن والاتحاد الأوروبي بشأن الصين". وقال بوريل إنه يشعر بأهمية "الآلية الجديدة المتعلقة بطريقة مناقشتنا للخطر الذي تمثله الصين على الدول الغربية وعلى قيمنا الديمقراطية المشتركة".

وعندما ألح مراسل صحيفة وول ستريت جورنال بوجان بانسيفيسكي على بومبيو لتقديم تفاصيل، أجاب بومبيو بأن الولايات المتحدة تعمل في ذلك المسار في الأصل. ومضى بومبيو الى القول "أنت محق. وهذا شيء جديد، والاقتراح جاء من الممثل الأعلى بوريل خلال أيام قليلة مضت فقط، ولكن يتعين عليك أن تعلم أننا أعربنا عن اهتمام واسع بذلك الاقتراح، وقد شكلنا فريقاً للعمل حول تفاصيله، ولست أعلم على وجه الدقة كيف سيكون شكل حصيلة عمل ذلك الفريق، ولكنني على ثقة بأن نتوصل الى بنية تعزز معرفتنا المشتركة".

مع بداية فترة رئاسة ترامب شعر قادة أوروبا بأمل بأن يعمل معهم نحو علاج طائفة من القضايا المتعلقة بالصين وخاصة ما يرتبط منها بالنزاعات التجارية التي رفضت بكين على الدوام التراجع عنها. وبدلاً من ذلك، حمل الرئيس ترامب على قادة الاتحاد الأوروبي – وخاصة ألمانيا – وعلى الصين متهماً اياهم باستغلال الولايات المتحدة، ومضى الى حد فرض تعرفات عقابية على منتجات الصلب والألمنيوم من الاتحاد الأوروبي والتي دفعت الى خطوة جوابية من جانب بروكسل.

استمرار الخلافات

وحتى عندما أعرب بومبيو عن اهتمامه حول حوار جديد بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بشأن الصين، فقد كرر البعض من القضايا التي تشتمل على خلافات حادة بين واشنطن والحلفاء الأوروبيين، بما في ذلك قرار الرئيس ترامب المفاجئ بخفض الوجود العسكري الأميركي في ألمانيا، وهي خطوة قال إنها ترتبط بخلافاته السياسية مع برلين، بما في ذلك الزيادة البطيئة من جانب ألمانيا في الانفاق العسكري ودعمها المستمر لمشروع السيل الشمالي 2 لخطوط الغاز.

يذكر أن بومبيو حاول خلال خطابه الإصرار على أن قرار سيد البيت الأبيض كان مبنياً على "مراجعة استراتيجية" حذرة ومتأنية حول مستويات نشر قوات عسكرية ومدى الحاجة اليها- وهي نقطة دحضها بشدة مسؤولون عسكريون حاليون وسابقون في الولايات المتحدة.

وفي ضوء الغياب العميق للثقة يبدو من غير المحتمل أن يتحقق الكثير من التقدم في المناقشات المتعلقة بالخطر الصيني، أو أي من القضايا الاخرى، وذلك في الفترة الممتدة من الوقت الراهن وحتى شهر نوفمبر المقبل، الذي سوف يشهد الانتخابات الرئاسية الأميركية، اضافة الى أن قادة الاتحاد الأوروبي يركزون بشدة اليوم على مراجعة ميزانياتهم في الأجل الطويل واقتراح اللجنة الأوروبية حول صندوق طموح للتعافي الاقتصادي.

ويذكر أن منتدى بروكسل يعمل في أغلب الأحيان على شكل نافذة لعرض وتبادل الأفكار بين الحلفاء عبر الأطلسي، ولكن تلك لم تكن السمة التي سادت خلال سنوات حكم الرئيس ترامب. وكان بومبيو قال، في خطاب أمام صندوق مارشال الألماني في شهر ديسمبر من عام 2018 في بروكسل، كلمات أثارت دهشة الحضور حول المؤسسات متعددة الجنسيات و"الجهات البيروقراطية" أيضاً.

واللافت أن بومبيو افتتح خطابه في الأسبوع الماضي بالقول إنه كان محقاً، واستدرك: "لا أظن أنني كنت مقبولاً من قبل الصحافة الأوروبية"، مشيرا الى خطابه في عام 2018، "ولكن يتعين عليكم أن تعلموا أن الكثير من نظرائي أعربوا في أحاديثهم الخاصة لي عن موافقتهم على وجهة نظري".

دور وباء كورونا

وفيما يتعلق بالصين قال بومبيو إنه يظن بأن وباء كورونا المستجد المهلك قد أوجد مزيداً من الرغبة في الولايات المتحدة وأوروبا من أجل مواجهة العملاق الآسيوي، مشيراً إلى وصف الرئيس ترامب لذلك الوباء، في كلمة له بمهرجان في أوكلاهوما بأنه "من مصدر صيني"، وأضاف بومبيو أن "الولايات المتحدة لا ترغم أوروبا على الاختيار بين العالم الحر أو رؤية الصين الاستبدادية، لأن الصين تفرض ذلك الاختيار، كما أن تغطية بكين على انتشار ذلك الوباء الذي بدأ من ووهان الصينية قد أهلك مئات الآلاف من الأميركيين ورعايا دول اخرى في شتى أنحاء العالم، ودفع الأوروبيين والأميركيين الى رفع أصوات الاحتجاج ضد تلك التصرفات من جانب بكين".

● ديفيد هيرزينهورن