على مدار السنوات الماضية تتحدث حكوماتنا المتعاقبة عن مكافحة الفساد والضرب بيد من حديد على أيدي الفاسدين وتطهير البلاد منهم، ورغم وجود محاولات جادة في هذا الشأن والكشف عن قضية هنا وأخرى هناك، ورغم إنشاء هيئة متخصصة لمكافحة الفساد فإنه يستشري في العديد من الأجهزة والمؤسسات الحكومية، ومازلنا ننام ونستيقظ على جرائم استيلاء على المال العام وقضايا فساد يتورط فيها مسؤولون وشخصيات في مناصب كبيرة يغويهم المال الحرام ويسلمون أنفسهم للشر.

وخلال الشهور القليلة الماضية شاهدنا الكشف عن قضايا فساد كبيرة، منها ما يتعلق بتورط مسؤولين بتلقي رشا من شركة الطائرات إيرباص لعقد صفقات ضخمة، وكذلك اكتشاف شبهات فساد كبيرة مرتبطة بمشروع يقام خارج الكويت بالاشتراك مع إحدى الشركات الصينية والحكومة الماليزية السابقة فيما يعرف إعلامياً بقضية الصندوق الماليزي، ثم الكشف عن قضية النائب البنغالي المتهم بغسل الأموال في الكويت، وتورط عدد من المسؤولين معه في عدد من الجهات الحكومية الحيوية، وقبلها كانت قضية ضيافة الداخلية التي لاتزال متداولة أمام المحكمة حتى الآن، وهذا بالطبع ما تم الكشف عنه من جرائم الفساد، وهناك جرائم أخرى بالتأكيد لم يتم التوصل لها، وكما يقال ما خفي أعظم.

Ad

ولا يخفى على أحد أن هناك أسبابا كثيرة لتفشي الفساد في الكويت منها إفلات الكثير من الفاسدين من العقاب وهروبهم خارج البلاد، وعدم تطبيق عقوبات صارمة عليهم واسترداد الأموال المنهوبة منهم، الأمر الذي يشجع ضعاف النفوس على ارتكاب جرائم مماثلة، إضافة إلى تقصير السلطتين التنفيذية والتشريعية في تأخر صدور جملة من التشريعات القانونية التي تصب في مصلحة مكافحة الفساد، من بينها قانون تعارض المصالح، وقانون حق الاطلاع، وتنظيم الحصول على المعلومات، وقانون تنظيم تعيين القياديين، وقانون تنظيم تمويل الحملات الانتخابية.

ولعل المسؤولين يدركون أن الطريق نحو مكافحة الفساد واضح ويحتاج فقط إلى حزم وإرادة سياسية قوية مع ضرورة الإسراع في الانتهاء من بعض التشريعات المقترحة، ومنها قانون الجزاء بغية جعل الرشوة للموظفين العموميين جرماً جنائياً بالإضافة إلى تجريم الرشوة في القطاع الخاص، ومد نطاق المسؤولية الجنائية لتشمل الأشخاص الاعتباريين، وذلك مواكبة للاتفاقيات والمعاهدات الدولية المتعلقة بتطوير التدابير اللازمة للوقاية من الفساد إضافة إلى ذلك يجب خفض الروتين والبيروقراطية التي تزيد مظاهر الفساد من رشوة ومحاباة ومحسوبية، وأن يكون هناك تعاون مستمر بين جميع الجهات المعنية في تنفيذ استراتيجية الكويت لتعزيز النزاهة، ومكافحة الفساد في القطاعين العام والخاص، وبالطبع قبل كل ذلك لابد أن يكون هناك حرص من أبناء هذا الوطن على حمايته من اللصوص وفاقدي الضمير، وأن يكون الجميع رقيباً على المال العام، وحفظ الله بلادنا الحبيبة الكويت من كل شر ومكروه.