بدأ نفوذ الصين المتنامي يُمهّد لتحولات جوهرية في ميزان القوى العالمي برأي الأمين العام لحلف الناتو ينس ستولتنبرغ. يظن هذا الأخير أن التحالف العسكري الغربي يجب أن يتعاون عن قرب مستقبلاً مع البلدان التي تحمل العقلية نفسها، على غرار أستراليا واليابان ونيوزيلندا وكوريا الجنوبية. على حلف "الناتو" أن يدعم عالماً مبنياً على الحرية والديمقراطية بدل التنمر والإكراه. لم يضطر ستولتنبرغ لذكر الصين صراحةً، لكن يعرف الجميع ما كان يعنيه.

في صلب الصراع العالمي على النفوذ، تتواجه الولايات المتحدة والصين، ما يعني أن الخلاف قائم بين قوة عظمى قديمة وأخرى جديدة، حتى ان المنافسة بينهما وصلت إلى مجال البحث عن لقاح لفيروس كورونا.

Ad

منذ أن كان ريتشارد نيكسون رئيساً للولايات المتحدة خلال فترة السبعينات، طبّقت واشنطن سياسة تقارب مع بكين، وأرادت الولايات المتحدة بهذه الطريقة أن تدمج إمبراطورية فقيرة ومعزولة سابقاً مع النظام الدولي على أمل أن تصطف الصين مع الغرب. على المستوى الاقتصادي، تُعرَف هذه الصيغة باسم "التغيير عن طريق التجارة"، وتبنّت جميع الإدارات الأميركية المتلاحقة هذه المقاربة بدرجات متفاوتة حتى عهد دونالد ترامب.

في عام 2018، ألقى نائب الرئيس الأميركي مايك بينس خطاباً في معهد "هادسون" في واشنطن، وقد عكس تغييراً واضحاً في السياسات التقليدية، فاتّهم الصين بحمل طموحات توسعية وبقلة الضمير واستعراض قوتها بلا رادع وأضاف: "لن نخاف ولن نتراجع"!

اليوم، لم تعد واشنطن تتكلم عن سياسة التقارب بل إنها تلوّح بـ"الانفصال" عن الصين.

هذا التغيير في المسار الأميركي سبقته تحولات في توجهات الصين. التزم هذا البلد فترة طويلة بتوجيهات السياسي الإصلاحي دينغ شياو بينغ التي ترتكز على إخفاء القوة وانتظار النتائج، لكن منذ الأزمة المالية العالمية في عام 2007، انتشر مفهوم آخر في بكين مفاده أن النظام الصيني ليس مساوياً للنظام الغربي، بل إنه يتفوق عليه على الأرجح.

تحركات استفزازية

خلال مؤتمر الحزب الشيوعي في عام 2017، أوضح الرئيس الصيني وزعيم الحزب الحاكم شي جين بينغ أن زمن الصين بدأ، فأعلن انطلاق "حقبة جديدة" حيث تصبح الجمهورية الشعبية "محور الساحة العالمية".

كتب الخبير الأميركي بالحضارة الصينية، أورفيل شيل، في مقال له حديثاً عن صعوبة التوفيق بين سياسة "أميركا أولاً" التي أطلقها ترامب و"الحلم الصيني" الذي أعلنه شي جين بينغ ويتعلق بإعادة بلده إلى مصاف القوى العالمية. يظن شيل أن الحرب الباردة الجديدة أصبحت شبه مؤكدة. في أفضل الأحوال، قد تكون تلك الحرب محدودة لكن لا يمكن تجنبها.

هذا العداء أجبر بلداناً أخرى أيضاً على الانحياز إلى طرف معيّن. قد يشعر عدد كبير من اللاعبين أن سياسات ترامب المُضلّلة أمعنت في تهميشهم، لكنّ لا أحد مستعد لتقبّل تفوق الصين.

شعر الكثيرون في الهند بخطورة التهديد الصيني منذ وقت طويل، ولم تشتق هذه المشاعر من الصراع المستجد في وادي "جلوان".

في بداية شهر يونيو، أعلنت الهند وأستراليا اتفاقا يسمح للبلدين بتبادل القواعد العسكرية. تستطيع الولايات المتحدة واليابان وأستراليا والهند، المعروفة في الأوساط الجيوسياسية بـ"المجموعة الرباعية"، أن تنفّذ تدريبات عسكرية مشتركة في المحيط الهندي للمرة الأولى منذ عشر سنوات.

شعرت البلدان بالذعر من التطورات الحاصلة في بحر الصين الجنوبي، حيث زادت الحوادث في الأشهر الأخيرة. خلال مدة قصيرة، عمدت بكين إلى ضم الجزر هناك إلى المناطق الإدارية الصينية رسمياً وأطلقت عمليات استكشافية جيولوجية في المياه الماليزية، كما صدم خفر السواحل الصيني مركب صيد فيتنامي، واستهدفت إحدى السفن الصينية سفينة حربية فيلبينية.

احتجّت هانوي وحكومات متحفظة أخرى في مانيلا وكوالالمبور على ما حصل. وأرسلت الولايات المتحدة ثلاث حاملات طائرات إلى المنطقة. لم تستعمل البحرية الأميركية قوتها بهذه الدرجة في منطقة المحيطَين الهندي والهادئ إلا قبل ثلاث سنوات. وفي الأسبوع الماضي، حلّقت طائرة عسكرية أميركية أيضاً فوق تايوان التي تُعتبر أساسية لبكين وتربطها علاقات استثنائية مع واشنطن. تعتبر الصين تايوان جزءاً من أراضيها وقد وصفت تلك المناورة بالعمل "الاستفزازي".

ليست مصادفة على الأرجح أن يحتدم الصراع بين الصين والغرب فيما ينشغل العالم بفيروس كورونا الذي ظهر للمرة الأولى في الصين تحديداً.

يظن شي ينهونغ، أستاذ في العلوم السياسية في جامعة "رينمين" في بكين، أن الصين تشعر بالظلم في ظل الادعاءات التي تتهمها بافتعال الوباء وقد تأثرت أيضاً بانهيار اقتصادها. لكن يعتبر القادة في بكين هذه الأزمة فرصة لتوسيع نفوذ البلد. برأيهم، قد تكون الصين ضعيفة اليوم لكنّ البلدان الأخرى أضعف منها بكثير.

على صعيد آخر، تغيّر خطاب الدبلوماسية الصينية بدرجة كبيرة. خلال التسعينيات، هاجم بعض أعضاء الحزب الشيوعي وزارة الشؤون الخارجية واعتبروها "وزارة الخونة"، لأن الدبلوماسيين فيها كانوا محترمين أكثر من اللزوم في تعاملهم مع الغرب. اليوم، بات "المحاربون الذئاب" مسؤولين عن اتخاذ القرارات هناك. استوحى هذا الجيل الجديد من صانعي السياسة الخارجية اسمه من فيلم وطني ناجح، حيث يواجه مقاتل صيني بارع المرتزقة الأميركيين بترسانة مبهرة من الأسلحة وأقوال مميزة.

تشاو ليجيان هو أحد ممثلي الخط السياسي الجديد، وقد أصبح المتحدث باسم وزارة الخارجية بعدما اشتهر بمواقفه المثيرة للجدل على تويتر خلال عملية انتشار عسكري في باكستان. في يناير الماضي، قارن سفير الصين في السويد، غوي كونغيو، الصحافيين الذين انتقدوا الصين بالملاكمين الهزيلين حين يحاولون حمل أوزان ثقيلة بكل غباء.

لم يؤيد جميع الدبلوماسيين الصينيين أسلوبه الصدامي، لكن يتعرض مسؤولون معتدلون، من أمثال السفير الصيني في واشنطن كوي تيانكاي، للتهميش أو يقتربون من سن التقاعد. يقول أستاذ العلوم السياسية شي ينهونغ: "جميع علاقاتنا الخارجية تقريباً مضطربة"!

لا يقتصر الوضع دوماً على بعض التعليقات اللاذعة، بل تستعمل الصين أحياناً ضغوطاً اقتصادية هائلة لفرض إرادتها على خصومها. تواجه أستراليا هذا الوضع الشائك لأن الصين أهم شريكة تجارية لها حتى الآن، وطالبت الحكومة في كانبيرا بإجراء تحقيق مستقل حول أسباب انتشار الوباء في مدينة ووهان. نتيجةً لذلك، منعت الصين استيراد لحوم البقر من أربعة مسالخ أسترالية وزادت الرسوم الجمركية بنسبة 80 في المئة على الشعير الأسترالي. كذلك، تلقى السياح الصينيون تحذيراً من السفر إلى أستراليا بسبب احتمال تعرّضهم لاعتداءات عرقية، وفي الفترة الأخيرة، أوصت وزارة التعليم الصينية الطلاب بعدم الدراسة في أستراليا.

كان الموقف الأسترالي من الصين كفيلاً بزيادة البرود في العلاقات بين البلدين، فأعلن رئيس الوزراء سكوت موريسون: "نحن بلد منفتح تجارياً، لكنني لن أتخلى عن قيمنا مطلقاً لمواجهة أسلوب الإكراه بغض النظر عن مصدره".

رياح سياسية معاكسة

تتّضح نزعة الصين إلى استغلال أزمة فيروس كورونا لمصلحتها الشخصية في هونغ كونغ تحديداً. في مايو الماضي، أعلنت بكين أنها ستفرض قانوناً أمنياً جديداً على المستعمرة البريطانية السابقة، ما يعني أن تنشط وزارة أمن الدولة الصينية في هونغ كونغ للمرة الأولى.

ويعتبر النقاد هذه الخطوة نهاية لحرية التعبير في هونغ كونغ، وانتهاكاً للمعاهدة الدولية بين الصين وبريطانيا، حيث اتفق البلدان على أن تتمتع المدينة "بدرجة عالية من الاستقلالية" حتى عام 2047.

عبّر وزراء الخارجية في مجموعة الدول الصناعية السبع في بيان مشترك عن "قلقهم الشديد" من تحركات الصين، لكنّ بريطانيا، القوة الاستعمارية السابقة، هي التي تتعرض لأعلى درجات الضغوط. في أواخر عام 2015، كان رئيس الوزراء السابق ديفيد كاميرون لايزال يتكلم عن اقتراب "العصر الذهبي" للعلاقات بين بريطانيا والصين. فظهرت صور جميلة تجمع بين كاميرون وشي جين بينغ، حيث كانا يرتشفان الجعة في إحدى حانات الريف الإنكليزي.

أما خَلَف كاميرون، بوريس جونسون، فيعتبر نفسه "مُحِباً للحضارة الصينية"، وقد بذل جهوداً كبرى حين كان رئيس بلدية لندن لجذب المستثمرين الصينيين. لكنه يشعر اليوم أنه مضطر إلى اتخاذ موقف واضح.

إذا تمسكت الصين بقانونها الأمني الجديد، يقول جونسون إن لندن ستضطر إلى تقديم تأشيرات مدتها 12 شهراً لنحو 3 ملايين مواطن من حاملي جواز سفر بريطاني خارجي أو مؤهلين لتلقيه في هونغ كونغ، وتُمهّد هذه المعاملات للحصول على الجنسية.

تبرز مؤشرات أخرى على احتدام الصراع. من جهة، تُراجع بريطانيا قرارها الصادر في يناير لضم شركة الاتصالات الصينية "هواوي" إلى خطط توسيع شبكة الجيل الخامس البريطانية. ومن جهة أخرى، يهدّد السفير الصيني في بريطانيا، ليو شياو مينغ، بأن تلغي الشركات الصينية مشاريع بناء محطة للطاقة النووية وشبكة جديدة من المسارات للقطارات فائقة السرعة في الجزيرة إذا استبعد البريطانيون شركة "هواوي".

وتعليقاً على هذا الخبر، تعهد وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو بأن تتسلم الولايات المتحدة زمام الأمور إذا انسحبت الصين.

من المنافسة إلى الخصومة

تواجه الصين اضطرابات سياسية مع الحكومات والبرلمانات أيضاً، إذ أسّس النائب البريطاني المحافظ توم توغيندات، وهو رئيس لجنة الشؤون الخارجية، "مجموعة الأبحاث الصينية" في البرلمان البريطاني. ينتقد أعضاء هذه المجموعة الصين، وهم يضغطون منذ أشهر لإضعاف النفوذ الصيني في مجالات متعددة من الحياة البريطانية، ويقول توغيندات: "الصين تتحدى النظام الدولي المبني على قواعد محددة، ومن واجبنا أن ندافع عنه".

تكاتفت مجموعة دولية من النواب في بداية شهر يونيو، كجزءٍ من "التحالف البرلماني الدولي بشأن الصين"، لتحقيق هدف مشابه. يشمل رؤساء التحالف ممثلين من معسكرات متنوعة، على غرار السيناتور الأميركي الجمهوري ماركو روبيو، والألماني راينهارد بوتيكوفر، عضو البرلمان الأوروبي المنتمي إلى "حزب الخُضر".

يقول زميله في الحزب أوميد نوريبور، وهو عضو في البرلمان الألماني ومشارك في المجموعة أيضاً: "لا مفر من أن نتعامل مع الصين طبعاً. لكن كان يجب أن تحصل هذه المبادرة منذ فترة طويلة. لم تعد مسألة تحدي النظام خفية، بل يعبّر الجانب الصيني عنها بكل وضوح".

حتى الاتحاد الأوروبي، الذي كان متساهلاً دوماً مع الصين بدأ يسعى الآن إلى إثبات قوته. في عام 2019، توقفت المفوضية الأوروبية للمرة الأولى عن وصف الصين بالمنافِسة الاقتصادية ووضعتها في مصاف "الخصوم المنهجيين". وفي مايو الماضي، دعا كبير الدبلوماسيين في الاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، أوروبا إلى اتخاذ موقف "أكثر صرامة" من الصين.

وبدأ هذا التوجه يتبلور في المجال الاقتصادي على الأقل، بعدما استولت مجموعات صينية على شركات أوروبية، وتأجج استياء الرأي العام من هذه التطورات، فُرِضت قوانين جديدة لمراجعة الاستثمارات وتوسيع هامش الشفافية منذ أبريل 2019.

يوم الأربعاء الماضي، طرحت مفوضة شؤون المنافسة في الاتحاد الأوروبي، مارغريت فيستاجر، تقريرها الجديد الذي شمل اقتراحات حول ما ينوي الاتحاد الأوروبي فعله مستقبلاً ضد شركات من دول ثالثة، على غرار الصين، إذا كانت تستعمل إعانات الدولة لإضعاف السوق الداخلي للاتحاد الأوروبي.

ألمانيا تأخذ المبادرة

بدأ المفاوضون في الاتحاد الأوروبي يقتربون أيضاً من تحقيق هدفهم المرتبط بعقد اتفاق يتم التخطيط له منذ وقتٍ طويل لحماية الاستثمارات مع بكين، ويهدف هذا الاتفاق إلى منح الشركات التابعة للاتحاد الأوروبي في الصين قدرة مقبولة نسبياً على اختراق السوق والاستفادة من شروط تنافسية. يقول مفوض التجارة في الاتحاد الأوروبي، فيل هوغان، إن الاتفاق يدعو بشكلٍ أساسي إلى إنهاء عمليات نقل التكنولوجيا القسرية، لأن الشركات الأجنبية التي ترغب في إنتاج سلعها في الصين مضطرة للكشف عن تقنياتها أمام الصينيين.

سيكون هذا الاتفاق عاملاً مهماً في المرحلة المقبلة. غالباً ما يجد الاتحاد الأوروبي صعوبة في توجيه رسائل قوية إلى الصين، سواء في مجال حقوق الإنسان أو محاربة الوباء.

لهذا السبب، أرادت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل طرح موقف أوروبي موحّد من بكين، فأعلنت أن سياسة أوروبا تجاه الصين ستكون من أهم المواضيع المطروحة حين تتسلم ألمانيا رئاسة مجلس الاتحاد الأوروبي بدءاً من 1 يوليو.

من الواضح أن ميركل تسير في طريق شائك. هي لا تريد في أي ظرف من الظروف أن تحذو حذو الولايات المتحدة وتنفصل عن الصين نهائياً. يقول نوربرت روتغن، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الألماني: "أي سياسة تحاول عزل الصين لا تصبّ في مصلحة ألمانيا أو أوروبا".

في الوقت نفسه، بدأت ألمانيا تزيد انتقاداتها للصين وطموحاتها المرتبطة بالتحول إلى قوة عالمية.

لكن هل يمكن اعتبار المستشارة الألمانية الشخص المناسب لقيادة هذه الجهود؟ يعتبرها منتقدوها ناشطة صامتة لأن سياساتها منحازة وتُركّز على خدمة مصالح الشركات الألمانية.

في الأسبوع الماضي، نشرت الحكومة الألمانية مسودة برنامجها لرئاسة مجلس الاتحاد الأوروبي. مقارنةً بالنسخة السابقة، يتبنّى هذا البرنامج نبرة صارمة. تريد ألمانيا أن تطالب الصين بالمعاملة بالمثل في جميع السياسات، كما أنها تشدد على أهمية "القيم" الأوروبية. لكن لم يتّضح معنى هذه الأفكار عملياً بعد.

أخيراً، يقول نيلز شميد، المتحدث باسم "الحزب الديمقراطي الاجتماعي" الألماني في مجال السياسة الخارجية: "لا تزال أنجيلا ميركل عالقة في فكرتها البالية عن الصين. يبدو أن دار المستشارية الألمانية لم تصل إلى الزمن المعاصر بعد"!

* جورج فاهريون

* كريستيان هوفمان

* لورا هوفلينغر

* بيتر مولر

* يورغ شيندلر

* بيرنهارد زاند