في وقت يسيطر هدوء حذر على الأوضاع الميدانية في ليبيا، طرحت تصريحات المسؤولين الأتراك وحكومة "الوفاق" الليبية بزعامة فايز السراج، التي ترفض ما وصفه الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي بـ "الخط الأحمر" في حال تجاوز قوات الحكومة المدعومة من أنقرة مدينة سرت وقاعدة "الجفرة"، تساؤلات حول حدود التدخل المصري المتوقع.

وتكتسب سرت المطلة على البحر المتوسط أهمية استراتيجية في ليبيا، فالمدينة الخاضعة لقوات الجيش الوطني بزعامة المشير خليفة حفتر، تعد المفتاح الحقيقي للسيطرة على منطقة الهلال النفطي في وسط البلاد، وسيكون سقوطها في يد "الوفاق" تتويجًا لسلسلة انتصارات منذ تدخل أنقرة العسكري، ما أدى إلى فك حصار قوات حفتر عن طرابلس وردها إلى معاقلها شرقاً.

Ad

وكيل وزارة الدفاع في حكومة "الوفاق" صلاح الدين النمروش، قال في تصريحات أمس، إنه ليس هناك خطوط حمراء أمام "الوفاق" لدخول سرت الواقعة بوسط ليبيا وعلى بعد 900 كيلومتر من الحدود المصرية، لافتاً إلى أن قوات الحكومة المعترف بها دوليا على أبواب المدينة وتجهز لاقتحامها ضمن خريطة طريقة لاستعادة السيطرة على كامل التراب الليبي.

رفض تركي

وفي أول رفض تركي صريح لـ "الخط الأحمر المصري"، قال وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، أمس: "هاتان المدينتان سرت والجفرة بعيدتان عن الحدود المصرية، وتقعان وسط البلاد، فكيف تعتبران خطًا أحمر لمصر؟".

وطلب الوزير من القاهرة الكشف عن أسباب تصنيف هاتين المدينتين بالخط الأحمر، متهماً مصر بالعمل نيابة عن أطراف أخرى، أو أن لديها أطماعا في الأراضي الليبية، وأن القاهرة تتصرف بناء على توجيهات فرنسا والإمارات، على حد زعمه، لافتاً إلى أن "الوفاق" تحظى بدعم الكثير من الدول، بعدما بدأت الكفة تميل لصالحها.

وشهدت الأيام الماضية سجالاً بين باريس وأنقرة، على ضوء اتهامات الإليزيه لأنقرة بأنها تمارس لعبة خطرة في ليبيا، وتلقت باريس دعما من الإمارات، إذ قال وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، أنور قرقاش، في تدوينة عبر "تويتر"، أمس الأول: "تؤكد دولة الإمارات تضامنها مع فرنسا في مواجهة التصريحات والأعمال العدوانية المستمرة من تركيا، وندين بشدة سلوكها الخطير في استهداف سفينة تابعة للبحرية الفرنسية ضمن مهمة للناتو لفرض حظر للسلاح أقرته الأمم المتحدة في وقت سابق من هذا الشهر".

مطالب واحتمالات

وفي القاهرة، عقد السيسي اجتماعاً مع كبار مسؤوليه مساء أمس الأول، تناول تطورات القضية الليبية، إذ أكد على مواصلة السعي لتحقيق هدف استعادة الدولة الليبية الوطنية ومؤسساتها، لفرض الأمن والاستقرار والحفاظ على مقدرات الشعب الليبي، وصون الأمن القومي المصري بالعمق الغربي.

وأكد الرئيس المصري على موقف بلاده لكيفية احتواء الأزمة في ليبيا، من خلال تثبيت وقف إطلاق النار، ووضع الضمانات اللازمة لذلك، بالإضافة إلى تفكيك الميليشيات وإخراج المرتزقة من معادلة الصراع، بما يفتح الآفاق للوصول إلى حل سياسي شامل.

خيار الحرب

تصريحات التدخل العسكري المصري، طرحت أسئلة حقيقية حول المدى الذي قد تمضي فيه القاهرة، وهل هي مستعدة لتدخل عسكري بري سيكون الأول في دولة عربية منذ التدخل العسكري في حرب اليمن عام 1962، إذا ما استثنينا حرب تحرير الكويت التي كانت تحت مظلة أممية، أم أن مصر ستكتفي بغارات جوية محددة كما سبق وفعلت في عام 2015 رداً على نحر عناصر تنظيم "داعش" لـ21 قبطيا.

وتعاني مصر من أزمة اقتصادية تكافح من أجل الخروج منها منذ سنوات، كما يشغل بال القاهرة أزمة سد النهضة الإثيوبي، والتي تهدد بضياع حقوق مصر المائية في نهر النيل، فضلاً عن الحرب على الإرهاب المستمرة ضد البؤر الإرهابية في سيناء، لكن بعض المراقبين أكدوا أن هذه المشاكل لا تعرقل الدول القوية مثل مصر، تمتلك جيشا من أقوى 10 جيوش على مستوى العالم، من حماية مصالحها، وضربوا المثل بتركيا التي تعاني من أزمة الأكراد المزمنة في الداخل، ورغم ذلك تتدخل في العراق وسورية وليبيا.

النائب البرلماني والمحلل الاستراتيجي سمير غطاس، قال لـ "الجريدة": "إن إمكانية الحرب حول سرت وخرق وقف إطلاق النار تتراجع، فخلال أكثر من عشرة أيام لم نسمع إلا الكلام عن التقدم التركي صوب المدينة دون تنفيذ، لذا نستطيع القول إن إمكانية حدوث موقعة تراجعت إلى خلفية المشهد، خصوصا بعد التصريحات من الدول الغربية والعربية، الرافضة للتصعيد العسكري، كما هو واضح في تصريحات المسؤولين الأميركيين والفرنسيين والإيطاليين، بل موقف الرئيس التونسي قيس سعيد الداعي للحل السياسي".

وتابع غطاس: "رغم ذلك مصر تتابع تطورات الموقف على الأرض بشكل دقيق، وهي مستعدة لحماية حدودها إذا ما حاول أي طرف الاعتداء عليها، لكن ليس من مصلحة مصر الحرب في ليبيا، فحملة برية ستكون مكلفة جداً، والقاهرة تعلمت من درس حرب اليمن في الستينيات من القرن الماضي، ويجب الا نندفع، لكن هناك إمكانية تقديم الدعم الفني عبر تدريب القبائل الليبية وتقديم الدعم اللوجستي فضلا عن دعم رئيس البرلمان عقيلة صالح، وهو السيناريو الأكثر واقعية".

وحذر غطاس من رؤية مصر للوضع في ليبيا من خلال منظور طرف واحد، قائلا: "مرفوض تماماً أن ترى القاهرة الوضع في ليبيا من خلال عيون حفتر فقط، بل يجب أن تتعامل مع جميع فرقاء المشهد من مسافة واحدة، فمصر لديها علاقات تاريخية بجميع الأطراف الليبية، لكنه أي حفتر أدى إلى توتر علاقات مصر مع بقية الأطراف الليبية، لذا يجب الاعتماد على طرح صالح لإنجاز الانتخابات وتشكيل نظام حكم منتخب وهو الأمر الذي يجب أن تدعمه مصر بكل قوة".

من جهته، قيم الكاتب المتخصص في الشأن الليبي، عبدالستار حتيتة، الموقف المصري، قائلا إن "القاهرة تعمل بتنسيق دولي مع الأطراف المعنية، وهي لن تذهب إلى الحرب منفردة، لذا فالتدخل المصري البري معلق ومرتبط بالتطورات على الأرض في ليبيا".

ولفت حتيتة إلى أنه إذا طورت تركيا والميليشيات الهجوم شرقا، فلا يستبعد أن تتدخل مصر عسكريا، لكن مع التشديد على أن مصر لا تضع الحرب أولوية في ليبيا بل ترى أن الأفضل هو تفعيل الخيار السلمي.