أثار تهديد الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي باللجوء إلى التدخل العسكري المباشر في الصراع الدائر بليبيا مع تقدم قوات حكومة "الوفاق"، المدعومة من تركيا، نحو المناطق الشرقية الخاضعة لسيطرة "الجيش الوطني" بقيادة المشير خليفة حفتر، تساؤلات حول مدى رغبة القاهرة وقدرتها على اللجوء لهذا الخيار.

وبعد أن حذر السيسي من أن مصر قد تضطر للتحرك وقال إن بلاده تعتبر مدينة سرت، الواقعة وسط شمال ليبيا، وقاعدة الجفرة، وسط جنوب، خطاً أحمر، لا يمكن تجاوزه، واصلت "الوفاق" بزعامة فايز السراج حشد قواتها لانتزاع النقطتين من قوات حفتر التي منيت بعدة هزائم خلال الأشهر الماضية وخسرت مواقعها بالمناطق الغربية بعد انكسار هجومها على العاصمة طرابلس.

Ad

وحظي موقف السيسي، الذي دعا في الوقت نفسه إلى وقف إطلاق النار واطلاق مفاوضات ليبية للتوصل إلى تسوية للنزاع، بدعم رئيس البرلمان الليبي المتمركز في الشرق عقيلة صالح وكذلك الإمارات والسعودية والبحرين والأردن.

واستبعد المحللون اندلاع حرب شاملة بين مصر وتركيا التي ألقت بثقلها العسكري خلف حكومة "الوفاق" المعترف بها من قبل الأمم المتحدة.

ورأى محللون أن القاهرة، التي تسعى إلى تأمين حدودها الغربية الطويلة مع ليبيا، وحلفاءها العرب ليس لديهم "وهم أنهم سيعيدون قوات حفتر إلى طربلس بعد تحول موقفهم إلى الدفاعي".

في المقابل، رفضت أنقرة و"الوفاق" مبادرة السيسي التي أطلقها تحت اسم "إعلان القاهرة"، مطلع يونيو الحالي، لوقف إطلاق النار وتفكيك المجموعات المسلحة وانسحاب المرتزقة في ظل تقدمهم الميداني.

وفي حين أن القاهرة، تبدي عدم ثقة بحكومة "الوفاق" وتنظر للتدخل التركي كتهديد جاد، في ظل الخلاف بين السيسي والرئيس التركي رجب طيب إردوغان الداعم لجماعة "الإخوان المسلمين"، يرجح محللون أن تكتفي السلطات المصرية بدعم حفتر مباشرة لتمكينه من نشر قوات في وسط البلاد ورفع معنويات عناصره للاحتفاظ بسرت والجفرة.

ويشير البعض إلى أن القاهرة سترغب في تفادي انخراط جيشها، أحد أكبر الجيوش في الشرق الأوسط، في صراع مباشر بسرت على بعد 900 كيلومتر من حدودها الغربية لتجنب العبء المالي الكبير على اقتصادها المنهك والدخول في "مغامرة محفوفة بالمخاطر" مع وجود أكثر من لاعب إقليمي ودولي على الساحة الليبية.

من جهتها، اعتبرت الأمم المتحدة أنّ "آخر ما تحتاج إليه ليبيا الآن هو المزيد من القتال"، وذلك تعليقاً على تلويح السيسي بالتدخل وعرضه على قبائل ليبية تدريب أبنائها على حمل السلاح.

الاجتماع العربي

إلى ذلك، عقد وزراء الخارجية العرب اجتماعاً طارئاً عبر دائرة تلفزيونية مغلقة أمس لمناقشة الوضع في ليبيا وأزمة سد النهضة، بناء على طلب من مصر.

وطالب الأمين العام للجامعة العربية، أحمد أبوالغيط، بـ "ضرورة إخراج المرتزقة والمقاتلين الأجانب من ليبيا".

وقال أبوالغيط، خلال الاجتماع الوزاري إن "تدويل الأزمة الليبية مقلق، وليبيا تمر بمنعطف خطير".

وأكد رفض الجامعة "خرق حظر السلاح على ليبيا وإرسال المرتزقة".

وأوضح الأمين العام أن "الحل السياسي هو السبيل الوحيد لاستقرار ليبيا"، مشدداً على "التمسك بالحفاظ على وحدة واستقلال البلاد".

واعتبرت خارجية "الوفاق" أن الاجتماع المغلق عبر الفيديو لا يصلح لمناقشة ملفات شائكة تحتاج إلى مداولات ونقاشات معمقة.

من جهته، شدد وزير الخارجية المصري سامح شكري على أن بلاده لن تتوانى عن "اتخاذ أي إجراء لمنع وقوع ليبيا تحت سيطرة الجماعات الإرهابية والمليشيات المسلحة".

وانتقد شكري أنقرة دون ذكرها مباشرة، محذراً من تبعات مواصلة التدخلات الأجنبية على الأراضي الليبية لدعم تلك الجماعات والمليشيات، وسياستها التخريبية عبر نقل المرتزقة الأجانب والإرهابيين من سورية إلى ليبيا.

وجدد شكري التأكيد على موقف القاهرة الثابت من الأزمة الليبية، حيث حرصت على العمل عبر كل الوسائل الدبلوماسية لتقريب وجهات النظر بين مختلف الليبيين ودعم مسار مؤتمر برلين برعاية الأمم المتحدة.

وحذر وزير الخارجية وشؤون المغتربين الأردني أيمن الصفدي من خطر «أقلمة» الأزمة الليبية و»دولنتها» على ليبيا وعلى دول الجوار وعلى الأمن العربي المشترك.

وقال الصفدي خلال الاجتماع إن «طريق هذا الحل هو حوار ليبي-ليبي بإسناد عربي أممي على أساس المرجعيات المعتمدة والمبادرات، والتي تشمل إتفاق الصخيرات ومؤتمر برلين وإعلان القاهرة».

وأضاف :»نجمع أيضاً على أننا لا نقبل أي اعتداء أو تهديد لأمن أي دولة عربية، ونرفض في هذا السياق أي اعتداء أو تهديد لأمن جمهورية مصر العربية الشقيقة، ونقف كلنا إلى جانب الأشقاء في مصر وحقهم المشروع حماية أمنهم وحماية مصالحهم الوطنية.»

ورحب الصفدي باقتراح وزير خارجية المغرب ناصر بوريطة تشكيل فريق عربي مصغر لوضع تصور استراتيجي لتحرك عربي جماعي لحل الأزمة الليبية.

وشاركت «الوفاق» في الاجتماع الطارئ، رغم إعلانها في وقت سابق معارضتها له، وانتقد مندوبها صالح الشماخي ما وصفه بـ»ازدواجية المعايير» المعمول بها في الجامعة العربية، وهاجم الدول الداعمة لحفتر.

دعوة روسية

في غضون ذلك، أعلن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن اللاعبين الخارجيين في ليبيا يجب أن يشجعوا الحوار الليبي الشامل، وأن أنقرة والقاهرة توافقان على ذلك، داعياً إلى هدنة فورية.

وقال لافروف بعد محادثات مع وزيري الخارجية الهندي والصيني: "هناك محادثات مع وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو ووزير الخارجية المصري. كلاهما يتفقان على أنه يجب أن يعترف الجميع بعدم وجود حل عسكري، وعلينا أن نجلس على طاولة المفاوضات ونبحث عن اتفاقات مقبولة للجميع وفق قرارات مجلس الأمن الدولي والمؤتمرات التي تم إجراؤها بما في ذلك مؤتمر برلين".

من جانب آخر، نقل عن وزارة الخارجية الروسية قولها إن تقريراً أممياً أفاد بوجود مرتزقة روس وأسلحة روسية حديثة بجانب قوات حفتر، استند إلى مصادر محل شك ومعلومات غير دقيقة وطالبت بالتحقيق فيه.

تجدر الإشارة إلى أن عدة تقارير ذكرت أن حفتر يستعين بمرتزقة روس وعناصر من مليشيات "الجنجويد" السودانية وعناصر من جماعات تشادية متمردة في وقت أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان بأن أنقرة جندت عناصر سورية ونقلتها إلى طرابلس لمساندة "الوفاق".

الوفاق وواشنطن

في هذه الأثناء، قال وزير الداخلية الليبي بـ "الوفاق" فتحي باشاغا، أمس، إن "الهزيمة العسكرية للانقلابي حفتر، زادت التوافق مع الولايات المتحدة حول الحل السياسي في ليبيا".

وكشف الوزير أن الاجتماع الذي عقده السراج مع قائد القيادة العسكرية الأميركية في إفريقيا "أفريكوم" والسفير الأميركي لدى طرابلس ريتشارد نورلاند، أمس الأول، تضمن الاتفاق على ضرورة إنهاء التدخلات الأجنبية غير الشرعية ودعم وحدة أراضي ليبيا من أي تهديدات خارجية بالإضافة إلى تفكيك المليشيات الخارجة على القانون.

أنقرة: ماكرون يعاني «كسوفاً عقلياً»

ردت تركيا أمس على الانتقادات الفرنسية لتدخلها في ليبيا، قائلة إن الرئيس إيمانويل ماكرون يعاني بالتأكيد من «كسوف للعقل»، لمعارضة دعم أنقرة حكومة طرابلس المعترف بها دوليا.

واتهم ماكرون أمس الأول تركيا بأنها تدير «لعبة خطيرة» في ليبيا، وعبر عن دعمه للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي الذي لوح بالتدخل في ليبيا.

واعتبر الرئيس الفرنسي أن الحادث العسكري البحري الأخير بين فرنسا وتركيا في البحر المتوسط، والذي يحقق حلف شمال الأطلسي فيه، يشكل «أحد أبرز الإثباتات على الموت السريري للناتو».

وقال ماكرون، إثر محادثات أجراها مع نظيره التونسي قيس سعيّد في الإليزيه، أمس الأول، «أحيلكم على تصريحاتي نهاية العام الفائت عن الموت السريري للناتو. أرى أن ما حصل هو أحد أبرز الإثباتات» على ذلك، معتبرا أن الوضع «لا يمكن تحمله»، محذرا من تحول الوضع في ليبيا إلى ما هو عليه في سورية.