أصبح ارتفاع مستويات عدم اليقين من الأمور الاعتيادية التي ألفتها الأسواق المالية، ولم يختلف الوضع خلال الأسبوع الماضي. فهناك الكثير من الأمور التي تدعو إلى القلق نتيجة لإجراءات الإغلاق التي شهدناها أخيرا في الصين، والارتفاع الحاد لحالات الإصابة بالفيروس في الولايات المتحدة، وتهديدات الرئيس ترامب بقطع العلاقات مع الصين، والتوترات العسكرية في آسيا، وضعف توقعات النمو من جانب البنوك المركزية.

وجاء الارتفاع الشديد في أعداد الإصابات الجديدة بفيروس كورونا المستجد في العديد من الولايات الأميركية وقيام بكين بحظر السفر بمنزلة تذكير بمخاطر إعادة فتح الأنشطة الاقتصادية قبل تطوير أي لقاح. وبالنظر إلى تعليق رئيس مجلس الاحتياطي الفدرالي، فقد خاطب باول الأسبوع الماضي المشرعين، محذّرا من «شكوك كبيرة بشأن توقيت وقوة الانتعاش الاقتصادي».

Ad

وحسب تقرير أسواق النقد الأسبوعي الصادر عن بنك الكويت الوطني، دخلت أسواق العملات الأجنبية في وضعية تجنب المخاطر بصفة رئيسية، على خلفية تزايد المخاوف المتعلقة بالموجة الثانية للإصابة بالفيروس، بمّا أثر سلباً على معنويات السوق. وتعرّض العديد من العملات مثل اليورو والجنيه الإسترليني والدولار الأسترالي للخسائر، في حين استقر أداء الفرنك السويسري والين الياباني. ومقارنة بالتراجع الذي شهده الدولار الأميركي خلال الأسبوع الماضي، تمكن مؤشر الدولار هذا الأسبوع من الارتفاع بنسبة 1.28 بالمئة مقابل سلّة من العملات. وكان الدولار الأسترالي ضمن العملات الأسوأ أداءً، حيث خسر 1.60 بالمئة من قيمته خلال 4 أيام.

مبيعات التجزئة

تحسنت بيانات مبيعات التجزئة الأميركية بشكل ملحوظ في مايو وشهدت قفزة قياسية بنسبة 17.7 بالمئة بعد تسجيلها تراجعات قياسية على مدى شهرين متتاليين في مارس وأبريل. ويمثل هذا الانتعاش الملحوظ حالة مشجعة على أن الاقتصاد قد يكون على المسار الصحيح لتحقيق انتعاش على شكل حرف V.

وعلى الرغم من الطفرة التي شهدتها مبيعات التجزئة على أساس شهري، فإنها تراجعت بنسبة 6.1 بالمئة، مقارنة بمستويات الفترة المماثلة من العام الماضي، وتعتبر أقل بحوالي 8 بالمئة مما كانت عليه في فبراير. وما تزال الأضرار التي لحقت بمبيعات التجزئة من جراء تفشي الفيروس بالغة. وفي ظل إعادة فتح الأنشطة الاقتصادية في الولايات المتحدة تزايدت حالات الإصابة بـ «كوفيد - 19»، خاصة في عدد من الولايات التي سارعت برفع إجراءات الحظر، وهو الأمر الذي زاد من المخاوف المتعلقة بفرض جولة جديدة من عمليات الإغلاق. إلا أنه من جهة أخرى، صرح وزير الخزانة الأميركي والاقتصادي في البيت الأبيض في الأيام الأخيرة بأن الولايات المتحدة لا تستطيع إغلاق اقتصادها مجددا.

وانخفضت قيمة العملة الموحدة بنسبة 1.3 بالمئة تقريباً في أقل من أسبوع بعد تعرّضها للضغوط الناتجة عن معنويات تجنب المخاطر وتساؤلات حول قدرة الاتحاد الأوروبي على تمرير خطة التحفيز الاقتصادي التي اقترحتها المفوضية الأوروبية في ظل معارضة بعض الدول تقديم المساعدات في هيئة منح.

بيانات قاتمة

ارتفعت طلبات الحصول على إعانات البطالة في بريطانيا بنسبة 23 بالمئة خلال الشهر الماضي، لتصل في الإجمالي إلى 2.8 مليون طلب، حيث أجبر الوباء آلاف الشركات على تعطيل انشطتها. وتشير البيانات إلى اقتراب معدلات البطالة بالفعل من المستويات التي تم تسجيلها خلال فترة الركود في الثمانينيات، وأعلن مركز الأبحاث (Resolution Foundation) أن البيانات «عززت احتمال أن تكون بريطانيا في طريقها لأكبر أزمة يواجهها سوق العمل منذ ربع قرن على الأقل»، حيث تراجع معدل توظيف الموظفين الجدد في ظل انخفاض عدد الوظائف الشاغرة بنسبة قياسية بلغت 60 بالمئة بين مارس ومايو فقط، فيما يعتبر دلالات تثير المخاوف من اعتماد الاقتصاد بشكل كبير على استهلاك المستهلكين. وفي ظل بدء عملية الإغلاق، تم تسجيل أعلى معدلات الارتفاع في عدد طلبات الحصول على الاعانات في المناطق التي تعاني بالفعل مستويات عالية من البطالة. إلا أن فقد الوظائف بدأ في الانتشار بمناطق أكثر ازدهاراً، خاصة تلك التي قد تتعرض لتراجع هيكلي طويل المدى لعدد من القطاعات، مثل الطيران والصناعات التحويلية. وأعلن معهد دراسات التوظيف أن معدلات البطالة ارتفعت على أساس سنوي إلى أعلى المستويات المسجلة على الإطلاق، وتجاوزت الزيادة في طلبات الحصول على إعانة البطالة مستوى مليون طلب للمرة الأولى منذ انهيار «وول ستريت» عام 1929.

«المركزي» البريطاني

كشف البنك المركزي البريطاني الأسبوع الماضي عن برنامج تحفيز مالي جديد بقيمة 100 مليار جنيه استرليني، في إطار محاولاته لإنقاذ الاقتصاد من تداعيات الركود الناتج عن تفشي فيروس كورونا، الذي أدى بالفعل إلى محو 18 عاماً من النمو في غضون شهرين فقط. حيث أبقي البنك المركزي سعر الفائدة دون تغيير عند مستوى 0.1 بالمئة فيما يعد أدنى المستويات على مدار تاريخ البنك منذ تأسيسه قبل 326 عاماً، ولم يتم مناقشة خفض أسعار الفائدة دون الصفر. وفي وقت مبكر منذ بداية أزمة تفشي الفيروس، خفض البنك المركزي أسعار الفائدة من 0.75 إلى 0.1 بالمئة وأعلن تقديم دعم إضافي بقيمة 200 مليار جنيه إسترليني من التيسير الكمّي، ليصل بذلك إجمالي برنامج شراء السندات إلى 645 مليار جنيه إسترليني في اجتماعين طارئين في مارس. من جهة أخرى، تشير توقعات البنك إلى انكماش الاقتصاد بنسبة 20.4 بالمئة خلال شهر أبريل، ومن المتوقع أن ينكمش بنسبة 25 بالمئة بين أبريل ويونيو على أساس ربع سنوي. وعلى الجبهة السياسية، لم تكن الأوضاع أفضل حالا. ففي ظل الانفصال التاريخي للمملكة المتحدة عن الاتحاد الأوروبي في شهر يناير الماضي، تمرّ حاليا بمرحلة انتقالية مع التكتل المكون من 27 دولة، ويستمر هذا الوضع حتى نهاية العام، بما قد يعرّضها لمواجهة تحديات تجارية.

وشهدت تداولات زوج الجنيه الإسترليني / الدولار الأميركي أداءً متقلباً، حيث تراجع يوم الخميس إلى أدنى مستوياته المسجلة منذ 21 يوماً، وصولاً إلى مستوى 1.2341 مقارنة بأعلى مستوياته البالغة 1.2687 في اليوم السابق. كما زاد من وقع هذا التراجع قيام بنك إنكلترا بتوسيع نطاق برنامج شراء السندات بمقدار 100 مليار جنيه إسترليني، أي بالحد الأدنى من التوقعات.