الخلل السكاني

رغم ضراوة فيروس كورونا وشله للاقتصاد وكثرة فتكه بالأحياء حتى أن سكان لومبارديا لم يجدوا أماكن كافية لدفن موتاهم، فإنه سيُصبِح من ذكريات الماضي، وتعود البسمة للحياة بإذنه تعالى. جائحة كورونا قدمت دروساً ثمينة، فالأزمات تحديات تفعل الطاقات وتلهم مخارج للإشكاليات، والدول الناجحة هي التي تستفيد من هذه الدروس وتتعلم، فتعيد النظر في مواطن الخلل في أوضاعها.

Ad

كان الدرس الأول تعزيز مساهمة المواطنين في قوة العمل العام والخاص، كون الأوطان تبني نهضتها بسواعد أبنائها أولاً، وبخاصة بعد أن تبين لدولنا كلفة ومضار الاعتماد على عمالة متدنية المهارة والتعليم، تفتقد الوعي الصحي، تعيش في مناطق مكتظة غير صحية.

الدرس الثاني- إصلاح الخلل السكاني:

مشكلة الخليج الكبرى والمزمنة «التركيبة السكانية» التي تشكل، كما قال الرميحي، «قنبلة زمنية» وسميتها في ظل كورونا «قنبلة بيولوجية موقوتة» تستنزف الموارد والطاقات الخليجية، يصعب التخلص منها!

إني على يقين أن الخليج ليس بحاجة إلى هذا الكم الكبير من العمالة الوافدة المدمرة للخدمات والمرافق والبنية التحتية، والمغيرة للطبيعة الديمغرافية للعواصم الخليجية بعد استكمال كل مشاريع البنية التحتية والعمرانية، وهذا ما يؤكده الخبراء الاقتصاديون الخليجيون، لذلك، على حكوماتنا التفكير في وضع خطط استراتيجية تدريجية للتخفيف من الكثافة السكانية للعمالة إلى حد النصف، فلا مصلحة وطنية في هذا الكم الكبير من هذه العمالة، يثقل كاهل الاقتصاد الخليجي الذي يواجه ركوداً طويلا، وعجوزات في الموازانات، وتقلبات في أسعار الطاقة، نتيجة ضعف الطلب العالمي. (راجع مقال: التحليلي الشامل للخبير الاقتصادي الكويتي عامر التميمي: اقتصاديات الخليج: تحديات ما بعد كورونا).

لتفعيل هذه الاستراتيجية الهادفة لتعديل التركيبة السكانية، على حكوماتنا اتخاذ:

1- إجراءات حازمة تجاه التجارة في الفيز والإقامات:

فهذه التجارة الآثمة مجرمة دولياً باعتبارها نوعاً من الاتجار في البشر، ومحرمة شرعا لأنها أكل أموال الناس بالباطل، ومسيئة لسمعة الخليج في المحافل الدولية، وما يؤسف له أن السلطات الخليجية لم تقف بحزم أمام المسلكيات الفاسدة والمفسدة لسلسلة من الشبكات المتاجرة في الفيز والإقامات، لدرجة أن أصبحت الإقامات أصلاً من أصول الشركات المتاجرة في الإقامات، ويتم التخارج فيها أو التنازل عنها عند بيع هذه الشركات، إذ يدخل في تقييمها، عدد الإقامات المسجلة عليها، لأنها تدر على أصحابها دخلاً سنوياً، وهو ما يدفعه الوافد لتجديد إقامته السنوية بما لا يقل عن 500 د.ك. (المستشار شفيق إمام: ما قل ودل: الرّق والاسترقاق في تجارة الإقامات).

2- إعادة النظر في نظام الكفالة الحالي:

بوابة الفساد والرشا والاستغلال، وفقاً لمقترح منظمة العمل الدولية بأن يكون «العقد» أساس العلاقة بين العامل وصاحب العمل، والدولة تمنح الإقامة.

3- إعمال الرقابة الحازمة على القطاع الخاص:

تعد شركات القطاع الخاص الخليجي الأسوأ معاملة لعمالتها الوافدة، والأبخل صرفا على معيشتها، والأكثر استنزافاً لموارد مجتمعها، والأكثر جشعاً في تحقيق الأرباح على حساب المصلحة الوطنية، وحتى لا أقع في خطأ تعميم الحكم المعرفي والظلم الأخلاقي، أذكر احترازين:

الأول: أن الشركات المقصودة هنا هي التي تتعامل مع العمالة الكثيفة ذات الأجور والمهارات المتدنية، لا الشركات الأخرى التي توظف العمالة ذات الخبرات والمهارات العالية، فهذه الشركات تعد إضافة تنموية نوعية للاقتصاد الوطني.

الثاني: كان للقطاع الخاص الخليجي في مرحلة ما قبل النفط ماض مجيد ومشرف، وكان المساهم الأكبر في تنمية المجتمع الخليجي وسد الاحتياجات المعيشية للدولة والمجتمع، وكان هناك عقد اجتماعي غير مكتوب، يشكل معادلة مجتمعية بين أهل السلطة وأهل السوق والتجارة، متوازنة ومحترمة من الجانبين، اختلت هذه المعادلة وانفرط العقد في مرحلة الطفرة النفطية وطغيان الفوائض المالية، وانفتاح شهية أهل السلطة على عالم المال والتجارة، إثر تزاوج السلطة برأس المال، فأصبح القطاع الخاص تابعاً وعالة على الدولة. وللحديث بقية.

*كاتب قطري