كشفت أوساط قضائية عن «خطورة القانون الصادر وإحداثه ربكة للقضاة والمستشارين الذين يواجهون دعاوى الردّ التي تقام ضدهم»، بيّنوا أن مواد القانون تعتبر «سيفا مصلتا على رقبة القاضي سيسمح لأيّ متقاض بالنّيل منهم برفع قضايا ضده مقابل كفالة مالية قدرها 500 دينار فقط، مما سيساهم مستقبلا في عدم إمكان محاكمة العديد من الأشخاص أمام القضاء، لأنّ لديهم خصومات قضائية مع أغلب القضاة».

Ad

إعادة القانون

ودعا رئيس المجلس الأعلى للقضاء رئيس المحكمة الدستورية رئيس محكمة التمييز السابق، المستشار فيصل المرشد، الى إعادة القانون مجددا الى المجلس لتعديله بما يتلاءم والدور والرسالة التي يؤديها رجال القضاء بجناحيه، والمكانة الرفيعة التي يتولونها في المجتمع.

وقال في تصريح لـ «الجريدة» إن اللجنة التشريعية راعت، في تقريرها الذي وافق عليه المجلس، رافع الدعوى ومحاميه على حساب منزلة القاضي ومكانته وحقوقه، وبذلك جعلت اللجنة التشريعية نظام المخاصمة كطريق جديد للطعن بالأحكام، لافتا إلى أن لديه عدة ملاحظات على القانون الذي صدر و«فوجئت به؛ خلافا لما كنت أعتقده».

وبينّ المرشد أن أول من طبّق نظام المُخاصمة هي فرنسا سنة 1806؛ حيث كان الناس هم من يدفعون رواتب القضاة بصورة غير مباشرة؛ مثلهم مثل المُحكّمين. ولحقتها مصر سنة 1949 بتبنّي هذا النظام والتي لم تحكم محكمتها العليا بدعوى واحدة، لتشدد المشرّع المصري في رفعها من حيث الغرامة والكفالة الضخمة التي يلتزم بها رافُعها عند رفضها، مع الحكم على رافعها بالتعويض للقاضي إن طلبه.

ولما تطوّرت الدولة الى الدولة الحديثة، عدلت فرنسا سنة 1972 عن هذا النظام المُنتقد وإخلاله بحُسن سير العدالة. ولحقتها في ذلك الدول الديمقراطية، ومنها لبنان، حيثُ أنشأت فرنسا نظاما حديثا تكون فيه الدولة هي مَن تُرفَعُ عليها دعوى التعويض عن السير المعيب لمرفق العدالة أو عن الحكم الخاطئ دونما اشتراط الخطأ الجسيم للقاضي، مع التزام الدولة بالتأمين على أخطاء المرفق وسير العدالة؛ ومن ثم تكون شركة التأمين هي المسؤولة عن تعويض المضرور، مثلما تؤمّن وزارة الصحة على أخطاءِ أطبائها التابعين لها.

وهذا التأمين على عيوب العدالة وأخطاء القضاة مِن شأنهِ تحقيقُ التوازن المنشود بينَ مصلحة الطرف المضرور وتعويضه التعويض المناسب وبين مصلحة القاضي في الحفاظ على مكانته وذمتهِ مِن أن تُمَّس. فلا يشعرُ بخوفٍ أو تَرَدُّد حينما يُصدِرُ أحكامهُ؛ ولا يحجِمُ عن اجتهادٍ أو حماسٍ لفكر.

وقال المرشد: يذكر أن المشروع الأصلي للمُخاصمةِ كانَ يتشدّد في ضوابطِ رفعها من واقع ضخامة الكفالة المطلوبة لرفعها، وكِبَر قدر الغرامة التي يُحكَمُ بها على رافِعها عند رفضها، مع خسارته للكفالة المدفوعة، فضلا عن الحكم على خاسرها بالتعويض المطلوب من القاضي المُختَصم فيها. بينما يُحجُمُ المجلس ولجانه المختصة عن إقرارِ لائحةِ القيّم المقدمة له منذُ سنينَ طوال، وهي المعمول بها في الدول الديمقراطية الحديثة.

وأضاف: لا حاجةَ إلى المخاصمةِ في ظل وجود نظام التفتيش القضائي الذي يتولاهُ أكفأ رجالُ القضاء، والمسؤول عن التحقيق في شكاوى الخصوم وغيرهم في حق رجال القضاء أو أحكامهم أو قراراتهم، فضلا عن سلطة رؤساء المحاكم والنائب العام، بحسب الأحوال، وحقّهم في توجيه الجزاءات المناسبة بحق مرؤوسيهم من رجال القضاء، سواءٌ ما تعلّق منها بالعمل أو بالسلوك، علاوة على وجود مجلس محاسبة لرجال القضاء. بما لا حاجة معه إلى نظام المخاصمة المعيب والمُنَتقَد، والذي عدلت عنه الدول الديمقراطية.

ملاحظات

وفي الوقت الذي يتبسطُ البرلمان في إقرار نظام المخاصمة دونما أخذ ملاحظات ورأي المجلس الأعلى للقضاء، وهو المعني بالأمرِ والرأي أو رأي وزارة العدل، خلا تقرير اللجنة التشريعية من الإشارة لأيّ من الرأيين!

من جهته، أكد العضو السابق بالمجلس الأعلى للقضاء وكيل محكمة التمييز، المستشار عبدالهادي العطار، أن ما أقره مجلس الأمة أخيراً من تعديل على قانون المرافعات المدنية والتجارية، بإضافة باب رابع على نصوصه تحت عنوان «مخاصمة القضاة»، إنما ينطوي على انتكاسة للعمل القضائي برمّته، ويعد خطراً مستقبلياً على استقرار القضاء الكويتي المشهود له بالنزاهة والحياد والجرأة في الأحكام، متى ما تمت إساءة استخدام هذه الرخصة من خصوم الدعوى أو الغير – وهو أمر وارد – بما يلقي في نفوس رجال القضاء وأعضاء النيابة العامة خوفاً وتوجساً من مباشرة رسالتهم القضائية التي أقسموا عليها يميناً بين يدي الله سبحانه وتعالى، أحاطت بضمائرهم وحكمت وجدانهم في سبيل إرساء العدالة بين الناس.

توجُّس القضاة

وقال العطار لـ «الجريدة»: إن هذا الخوف وذلك التوجس يدفعان القضاة إلى التردد في إصدار الأحكام أو التصرف في تحقيقات النيابة العامة، خشية أن ينقلب خصم الدعوى – المدنية أو الجزائية – إلى خصم لقاضيها في دعوى مخاصمة يسوق ضده وقائع الغش والتدليس والإهمال الجسيم – التي قد يتعذّر اثباتها أصلاً - وتشكّل في حق القاضي جرائم جنائية يعاقب عليها في قانون الجزاء، وهو ما يؤدي من جانب آخر إلى تسرّب ومغادرة أعضاء السلطة القضائية من غير الكويتيين، وهم نسبة غير قليلة في المحاكم والأجهزة القضائية المختلفة، قبل اكتمال البرنامج الزمني لتكويت القضاء.

وأضاف: يخالط هذا التعديل القانوني لمخاصمة القضاة تعارضٌ صارخ مع أحكام الفصل الخامس من الدستور الخاص بالسلطة القضائية الذي نصّ على قواعد تحاكي منطق الأمور، من أن شرف القضاء ونزاهة القضاة أساس الملك وضمان للحقوق والحريات، ولم تجعل لأي جهة سلطاناً على القاضي في قضائه، حيث إن التعديل المقترح بتشريع مخاصمة القضاة هو قلب للموازين بإقامة المتقاضي رقيباً على شرف القاضي ونزاهته في صدد أداء رسالته، تحت طائلة المخاصمة والمساءلة عن وقائع جنائية من غشّ وتدليس تنال من سمعته وتشكك في نزاهته وتشغل ذهنه وتربك عمله لفترة طويلة، ناهيك بالتشهير به في وسائل التواصل الاجتماعي لحين الفصل في صحة هذه الوقائع فعلاً نهائياً، وفي ذلك ترهيب للقاضي مقنن بنصوص، في حين أن المنطق العقلي السليم يحث على تحصين القاضي ووجود حماية قضائية من الترهيب والترغيب.

ولفت إلى أن المادة 305 من مشروع القانون لم تقصر المخاصمة على إجراءات نظر القاضي أو عضو النيابة للدعوى المدنية أو الجزائية لحين الفصل فيها بحكم يرسي الحق لأيّ من طرفيها، بل جاء النص في هذا الشأن عاماً مبهماً شاملاً ما يصدره القاضي أو عضو النيابة من تصرفات وإجراءات أثناء قيامه بعمله، الأمر الذي ينسحب على أعمال رؤساء المحاكم والنائب العام والمكاتب الفنية ونيابة التمييز وإدارة التفتيش، بحسبان أن ما يصدر من هؤلاء القياديين القضائيين من قرارات يستند إلى سلطتهم الولائية كقضاة، فينالهم ما ينال القاضي الجالس على المنصة من رقابة وترهيب من قبل الخصوم أو الغير، إذ أفسح التعديل الجديد المجال لاختصامهم ليصبح كامل السلطة القضائية عرضة للمساءلة، وفي ذلك مخالفة لأحكام الدستور.

دعوة تأديبية

وأشار إلى أن في إجراءات ردّ القضاة والطعن في الأحكام والتظلم منها ومن قرارات النيابة العامة، المنصوص عليها في قانون المرافعات وقانون الإجراءات الجزائية ولوائح التفتيش القضائي والدعوى التأديبية ما يغني عن تشريع مخاصمة القضاة الذي يؤسس – في واقع الأمر – لطريق جديد من طرق الطعن والتظلم من الأحكام بعد صدورها، يؤدي حتماً للنيل من حجيتها ومصداقيتها لدى الكافة، وإلى مشاكل إجرائية يصعب التنبؤ بها.

إلغاء «المخاصمة» لعدم جدواها

قال المرشد: «في فرنسا ولبنان ودول أوروبية تم إلغاء المخاصمة المُطبقة منذ أكثر من قرن، لعدم جدواها. وحفظا لمكانة القاضي، وجعلوا دعوى التعويض عن عيوب العدالة وأخطائها تُرفَع مباشرة على الدولة لحفظ منزلة القاضي وذمّته. وما كان على اللجنة التشريعية إجازة رجوع الدولة على القاضي بما دفعته من تعويض؛ فقد كان همّها ضمان التعويض لرافع الدعوى ومحاميه، تاركةً القاضي وشأنه مع الدولة، خاصةّ أن القاضي ليس له من دخل سوى راتبه، وليس من العدالة تقرير عودة الدولة عليه.

وأضاف المرشد: في دول أخرى تؤَمّن على أخطاء القضاة لتضمن للمضرور الحصول على التعويض، وفي الوقت نفسه حماية الذمة المالية للقاضي وحفظا لمكانته.

وذكر انه لوحظ أن اللجنة التشريعية بالمجلس استبعدت من المشروع الأصلي الحكم على رافع الدعوى عند رفضها بالغرامة، كما خفضت الكفالة لمبلغ زهيد 500 دينار، كما استبعدت الحكم بالتعويض الذي طالب به القاضي في حالة خسارة المدعي لدعوى المخاصمة، وربطت حق القاضي بالمطالبة بالتعويض في حالة تعسّف المدعي في رفع المخاصمة. وبمعنى آخر اللجنة المشار إليها راعت رافع الدعوى ومحاميه على حساب منزلة القاضي ومكانته وحقوقه.