في الفترة الأخيرة يبدو أن القائد الأعلى كيم جونغ أون وشقيقته المرموقة كيم يو جونغ طوّرا طريقة مبتكرة لقطع الاتصالات مع الآخرين بمستوى غير مسبوق، فقد فجّرا مكتب الاتصالات بين الكوريتين في البلدة الحدودية «كايسونغ»، ومن الواضح أنهما يرفضان الكلام ويريدان إبلاغ الجميع بهذه الرسالة.

تقليدياً، كان قطع التواصل يعني بدء أعمال عدائية فورية بين البلدين، لكن أصبحت هذه الأحداث جزءاً من الماضي ولا تُعتبر كوريا الشمالية بلداً عادياً، وفي سياق الأحداث السخيفة التي يشهدها هذا البلد دوماً، قد يكون تفجير مكتب الاتصال في «كايسونغ» مؤشراً على احتدام الصراع الداخلي على السلطة، أو قد يعني بكل بساطة أن المبنى يحتاج إلى الترميم لكن يظن أحد الشقيقَين كيم أن تفجيره سيكون أكثر متعة من هدمه بطريقة تقليدية، ولو كان والدهما، مخرج الأفلام بدوام جزئي والزعيم الأبدي كيم جون إيل، لا يزال حياً، لاعتُبِر ذلك التفجير جزءاً من تصوير أحد الأفلام.

Ad

في مطلق الأحوال لا تترك القيادة الأميركية في منطقة المحيطَين الهندي والهادئ شيئاً للمصادفة، حيث تقوم المجموعات الهجومية الثلاث في حاملات الطائرات الأميركية الناشطة راهناً في المنطقة بدوريات في المحيط الهادئ، فقد ثارت حفيظة وسائل الإعلام الصينية في ظل هذا التهديد المنظور، فسلّطت الضوء على القدرات الصاروخية المضادة للسفن في جيش التحرير الشعبي الصيني، لكن على أرض الواقع تنشط القوات في تلك المنطقة على الأرجح كضمانة ضد انتشار الفوضى في كوريا الشمالية ولا تهدف إلى مضايقة الصين أو مواجهتها، ولن تكون حاملات الطائرات مفيدة أصلاً في أي أزمة داخل هونغ كونغ، لكنها مفيدة جداً للتعامل مع أزمات كوريا الشمالية.

عملياً، قد يحصل أي شيء في كوريا الشمالية المتقلّبة، بدءاً من هجوم صاروخي فوق اليابان وصولاً إلى انهيار كامل لنظام كيم، حيث يتعلق السبب الظاهري لقطع خطوط الاتصال وتفجير مكتب التواصل بالسماح لمعارضين كوريين شماليين برمي منشورات معادية للنظام (مع زجاجات ماء وأكياس رز) فوق الحدود، مع أن كوريا الجنوبية اعتقلت عدداً كبيراً من المسؤولين عما حصل، وفي مطلق الأحوال لا تستطيع المنشورات أن تبتعد كثيراً أو تُبلِغ المقيمين على الحدود بمسائل لا يعرفونها أصلاً، وبالتالي قد تكون أسباب تلك الخطوات أعمق من مجرّد خلاف حول المنشورات.

تشهد كوريا الشمالية وضعاً مريباً لكنه لا يزال خفياً على المراقبين الخارجيين، ولا ننسى أن كيم جونغ أون اختفى طوال ثلاثة أسابيع، بين أبريل ومايو، وبقيت إطلالاته العلنية نادرة منذ ذلك الحين، وفي الوقت نفسه توسّع دور شقيقته كيم يو جونغ في حكم البلد فجأةً، وهي تبدو أكثر تشدداً منه بكثير، حتى أنها تتولى على ما يبدو إصدار الأوامر إلى الجيش باسمها، فهل مَرِض شقيقها كيم، وهل بدأت تتسلم أعمال العائلة؟ وهل أدى فيروس كورونا إلى انهيار الاقتصاد وإضعاف قدرة البلد على دعم جيشه الضخم؟ لا أحد يعرف الحقيقة ولا أحد يستطيع توقّع ما قد يحصل خلال مرحلة تسليم القيادة المحتملة التي أصبحت قيد التنفيذ أو لم تصبح كذلك بعد.

في مطلق الأحوال، لن يحصل أي هجوم أميركي على كوريا الشمالية، فهذا التحرك هو محض خيال من جانب المخططين العسكريين الكوريين الشماليين، لكن إذا أطلقت كوريا الشمالية الغاضبة صواريخ «كروز» فوق بحر اليابان أو اختبرت صاروخاً بالستياً عابراً للقارات يصل إلى هاواي أو اتخذت خطوات استفزازية أخرى، فسيؤدي الوجود البحري القوي إلى تحسين قدرة الولايات المتحدة على تعقب أي جسم خطير أو رصده أو إسقاطه عند الحاجة.

يُعتبر نشر ثلاث حاملات طائرات بوليصة تأمين مكلفة لكن ضرورية، إذ تبقى كوريا الشمالية من أكثر البلدان التي تفتقر إلى الاستقرار في العالم وتزداد خطورتها بسبب الغموض الذي يكتنفها طوال الوقت، وبغض النظر عن وضع البرنامج النووي الكوري الشمالي، تطرح الفوضى الداخلية تهديداً مضاعفاً على الأرجح نظراً إلى صعوبة وضع الخطط للتعامل مع الحالات الطارئة حين تكون النتائج المحتملة مجهولة، ولا شك أن أي أزمة في كوريا الشمالية لن تحتاج إلى القوة العسكرية والقدرات الاستطلاعية في حاملات الطائرات الثلاث، لكن من دون لائحة بالأزمات المحتملة، سيسير العالم نحو المجهول، على أمل ألا تكون كوريا الشمالية في طريقها إلى المجهول أيضاً!

* سالفاتور بابونز

* «ناشونال إنترست»