تراجعت أعمال الشغب في الاحتجاجات العرقية المتواصلة في الولايات المتحدة، احتجاجا على مقتل الأميركي الأسود جورج فلويد على يد الشرطة خلال توقيفه. ومع تلقيه ضربة من داخل معسكره بمعارضة وزير دفاعه مايك إسبر تفعيل قانون التمرد، الذي يسمح بنشر الجيش في المدن، بدا أن تكتيكات الرئيس الجمهوري دونالد ترامب بمواجهة الازمة باتت في خطر.

وعمد ترامب الى استثارة قاعدته المحافظة المؤيدة، التي تضع الامن والنظام في الاولوية، وضخم من خطر الشغب، ملوحا بالعسكرة بهدف إحراج حكام الولايات الديمقراطيين وتصوير الديمقراطيين بصورة المعادين للجيش أو لاستتباب الامن.

Ad

وبينما باتت الأنظار معلقة إلى مدى قدرة الديمقراطيين على استغلال الاحتجاجات السلمية سياسياً، تحديداً في الانتخابات الرئاسية في نوفمبر، بدا ان ترامب يتراجع عن قرار الاستعانة بالقوات المسلحة.

وقال ترامب، في مقابلة مع تلفزيون "نيوزماكس"، أمس، رداً على سؤال عما إذا كان سيرسل الجيش إلى أي مدن بعد الاحتجاجات العنيفة على مقتل جورج فلويد، "لا أعتقد أننا سنضطر لذلك".

وفي اختلاف واضح عن موقف ترامب، عارض إسبر تفعيل القانون ونشر الجنود في المدن الكبيرة، مشيراً إلى أن "هناك حمولة سياسية كبيرة وسنة انتخابية لذلك نحاول أن ننأى بأنفسنا عن السياسة، وسنبقى بعيدين عنها ولا نريد عسكرة الشوارع".

ومع ازدياد انخراط منافسه الديمقراطي جو بايدن في الأزمة، شن ترامب هجوماً لاذعا على نائب الرئيس السابق، وقال: "جو النائم كان نائبا للرئيس لمدة 8 سنوات، لماذا لم يفعل للسود ما ينادي به اليوم، لقد كانت لديه الصلاحيات اللازمة فماذا فعل؟".

الدين

في المقابل، أكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض كايلي ماكناني أنه "إذا لزم الأمر" سيستخدم ترامب قانون التمرد الصادر في عام 1807، ويسمح له بنشر الجيش في حالات الانتفاضات والعصيان وعرقلة القوانين في أي ولاية، مبينة "أنه أداة متاحة للرئيس وحده".

ودافع البيت الأبيض بشدة عن قيام ترامب بالخروج والتقاط صورة أمام كنيسة سانت جون، بالقرب من مقر الرئاسة، حاملا الكتاب المقدس بيده، بعد تفريق متظاهرين بالغاز المسيل للدموع.

وقالت ماكيناني إن "الرئيس أراد توجيه رسالة قوية"، مؤكدة أنه سار بذلك على خطى شخصيات عظيمة مثل رئيس الوزراء البريطاني السابق ونستون تشرشل، مبينة أنه "عبر العصور رأينا رؤساء وقادة شهدوا لحظات قيادة ورموزا قوية جدا كانت مهمة لبلد ما مثل تشرشل، الذي ذهب لتفقد الأضرار الناجمة عن قنابل" الغارات النازية على لندن خلال الحرب العالمية الثانية، وأكدت أن ذلك "كان رسالة قيادة قوية للشعب البريطاني".

وأشارت أيضا إلى قيام الرئيس جورج بوش الابن بشكل رمزي بإلقاء الكرة في بداية أول مباراة للبيسبول في ملعب يانكي في نيويورك، بعد وقت قصير من هجمات 11 سبتمبر 2001.

مطالب المتظاهرين

على مستوى آخر، أعلنت السلطات الأميركية أمس الأول أن رجال الشرطة الأربعة الذين أوقفوا فلويد في مدينة مينيابوليس بولاية مينيسوتا أصبحوا ملاحقين قضائيا، بينما أعيد توصيف موته بـ"الجريمة"، كما كان يطالب مئات الآلاف من الذين يتظاهرون منذ الأسبوع الماضي.

وأعيدت صياغة الاتهامات الموجهة إلى الشرطي الأبيض ديريك شوفن، الذي وضع ركبته لأكثر من 8 دقائق على رقبة فلويد متسببا في موته اختناقا، من القتل غير العمد لتصبح "القتل عن غير سابق تصميم"، وهي أخطر، ويعاقب عليها القانون بالسجن 40 عاماً، مع ملاحقة زملائه الثلاثة الآخرين بتهمة التواطؤ، وجميعهم موقوفون.

ورأى حاكم ولاية مينيسوتا أن اتهام الشرطيين الأربعة يشكل فرصة "لمعالجة مشكلة العنصرية المؤسسية والإفلات من العقاب"، مضيفا: "إنها على الأرجح فرصتنا الأخيرة لمعالجة الأمر كدولة وكأمة".

وشهدت عشرات المدن الأميركية هدوءاً على غير العادة ليل الاربعاء - الخميس، رغم خروج آلاف المتظاهرين مرة أخرى إلى الشوارع، وتحدي بعضهم حظر التجول، الذي تسبب في اعتقال العشرات خصوصاً في بروكلين ومانهاتن.

ودفع الهدوء الملحوظ السلطات في واشنطن ولوس أنجلس أمس إلى تحفيف مواعيد منع التجول ورفعه، وقد تم تطبيق ذلك أمس الأول في سياتل (شمال غرب).

وفي دفعة إضافية للهدوء، وافق رئيس بلدية لوس أنجلس الديمقراطي إيريك غارسيتي على أحد المطالب الرئيسية لحركة "حياة السود تهم"، وهو تخفيض ميزانية الشرطة للاستثمار في البرامج الاجتماعية والتعليمية للمجتمعات السوداء وتخصيص 250 مليون دولار لها.

تجمعات سلمية

وفي واشنطن، تم نشر قوة كبيرة من الشرطة مرة أخرى لمنع الوصول إلى البيت الأبيض، وإن كانت السلطات ذكرت أنها تتوقع تجمعات سلمية.

واستطاع حظر التجول والجهود التي يبذلها المحتجون لاحتواء تفشي الفوضى في وقت سابق منع حدوث أضرار واسعة النطاق للأعمال والمصالح التجارية في مدينة نيويورك ومدن أخرى.

وقبل ذلك، فوجئ الأميركيون بانتشار صور لشرطيين ركعوا على ركبة واحدة إلى جانب المحتجين، في أكثر الاحتجاجات المدنية انتشارا في الولايات المتحدة منذ عقود، إذ إن رجال الأمن دعموا وضعية مناهضة للعنصرية.

ورغم الهدوء الملحوظ، قالت شرطة نيويورك إن أحد أفرادها أصيب بالرصاص فيما طُعن آخر في بروكلين، لكن لم يتضح ما إذا كان للهجوم صلة بالاحتجاجات.

وأخيرا، قامت الشرطة في الأيام الماضية باعتقال نحو 10 آلاف شخص في جميع أنحاء البلاد، حسب تقديرات نشرتها وسائل الإعلام الأميركية.

في السياق، أعلن الحرس الوطني تواجد أكثر من 30 ألفا من عناصره لإنفاذ القانون في 31 ولاية ومقاطعة في التعامل مع الاضطرابات المدنية المستمرة، وأكثر من 39 ألفاً آخرين في جميع الولايات الخمسين وثلاثة أقاليم وواشنطن العاصمة، في إطار عمليات الاستجابة لجائحة فيروس كورونا.