بعد نحو شهر من تسلمه مهامه، يكافح رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي لتخفيف الإحباط بين صفوف جيل الشباب، الذي ينتظر إصلاحات سريعة، وسط تكالب أزمات وانهيارات متنوعة، وخزينة مالية خاوية، وعدم استسلام الأحزاب التقليدية لقواعد عمل جديدة.

وعمت شريحةَ الشباب، موجةُ ترحيب الشهر الماضي بتسلّم رئيس جهاز المخابرات السابق لرئاسة الحكومة، إذ إنه أول شاب ليبرالي يصل إلى هذا الموقع، منذ سقوط نظام صدام حسين، كما يعرف عنه تأييده لمطالبات التغيير، التي رفعتها حركة الاحتجاج الواسعة منذ أكتوبر الماضي، وتمسكه بتحرير العراق من القيود الإيرانية، التي تحاول زجه في صراع طهران مع المجتمع الدولي.

Ad

إلا أن الكاظمي بدا يتحرك ببطء وحذر، حتى وصفه البعض بأنه يعاني فوضى وارتباكاً في فريق عمله غير المكتمل، كما أن بعض الإجراءات الرمزية فقدت مفعولها المباشر، وعلى سبيل المثال عادت الميليشيا المعروفة باسم «ثار الله» إلى مقرها، بعد نحو ٢٠ يوماً من قرار جريء اتخذته الحكومة بإغلاقه إثر إطلاق عناصر الحركة النار على محتجين في البصرة، مما فُسر هو وخطوات أخرى بأنه تنازل من الكاظمي أمام الحركات المسلحة، التي تهيمن على مفاصل كثيرة من الدولة.

وإلى جانب ذلك، يلف الغموض عملية التحضير للانتخابات المبكرة، التي تدعو إليها حركة أكتوبر، مع جمود في تشكيل لجنة تقصي الحقائق الهادفة إلى تحديد المتسببين بمقتل المئات، خلال شهور الاحتجاج الشعبي.

لكن مصادر مقربة من الكاظمي تؤكد، في حديث لـ«الجريدة»، أن تصاعد الإصابات بوباء كورونا والانهيار في أسواق النفط يؤجلان كل شيء حالياً. وتضيف المصادر أنه لا بد من حصول المواجهة، مع الفصائل المسلحة وبعض الأحزاب الفاسدة، لجعل التغيير ممكناً ولاستعادة الدولة وكسب ثقة الشعب، فضلاً عن ثقة الشركاء المعتدلين في المحيطين الإقليمي والدولي.

وتوضح أن الكاظمي يعلم أن الميليشيات ستخوض مواجهة معه ولن تتركه وشأنه، لأنه لم يرضخ لسلسلة طويلة من المطالبات الإيرانية، لكن هذه المصادر تؤكد «وجود قناعة لدى فريق الكاظمي بأن الحكومة هي التي يجب أن تختار التوقيت لتلك المواجهة الحتمية».

ويقول المقربون من رئيس الحكومة: «نحن الذين يجب أن يختار توقيت ذلك، بعد إكمال الاستعدادات والتهدئة الداخلية مع إقليم كردستان شمالاً، والقوى السنية في غرب البلاد، وتعميق التفاهمات مع ناشطي حركة تشرين»، لأن الحكومة لن تحقق شيئاً إلا بالعمل المشترك مع مجاميع الشباب الاحتجاجية، التي تشترك مع الكاظمي في هدف تغيير قواعد الإدارة والسياسة، حسب وصفهم.

وتعليقاً على عدم ظهور هوية اللجنة العراقية، التي يُفترض أن تُطلِق الشهر الحالي حواراً استراتيجياً مع واشنطن، بشأن مستقبل التعاون العسكري والاقتصادي بين البلدين، ذكرت المصادر أن الاضطرابات في واشنطن قد تساهم في تأخير طفيف لموعد الحوار، مشيرة إلى أن الكاظمي يفضل تأجيله شهراً، رغم بدء المشاورات التمهيدية فعلياً.

وحتى الآن لم يقم الكاظمي بتسمية أعضاء لجنة الحوار، ما يوحي بوجود خلافات وحساسية وضغوط إيرانية تريد منه الإسراع في إجلاء القوات الاميركية من العراق.

وتقول المصادر إن الخلافات لاتزال تحيط بأعضاء لجنة الحوار، لأن أطرافاً في الميليشيات العراقية تريد المشاركة في هذه اللجنة عبر ممثلين لها، مما قد يهدد بتخريب أسس التفاوض، التي كانت في العادة تتم مباشرة وبعيداً عن اللغط بين رئيس الحكومة والإدارة الأميركية.

ويؤكد المقربون من الكاظمي أن مواجهة الأجنحة المتشددة العراقية ليست مجرد خيار، بل أمر حتمي، لأن ضبط الأمن وإصلاح الوضع الاقتصادي وتنشيط العلاقة مع المحيط العربي والحلفاء في الغرب، لن تتم إلا بكسر القيود والحملات الشعبوية، التي تمارسها أطراف الفصائل المسلحة ضد أنصار ما يعرف بالاتجاه المعتدل في بغداد.