أول صحيفة في العالم بادرت بتكريم ضحايا فيروس كورونا هي "نيويورك تايمز"، وفي بلد تجاوز رقم المتوفين فيه الـ100 ألف، كانت لفتة إنسانية لاقت التقدير والاهتمام، الصحيفة نشرت قائمة تجمع ألف اسم يشكلون 1% من مجمل الضحايا، فهؤلاء لم يكونوا بحسب الصحيفة مجرد أرقام في لائحة، بل "نحن وهم" ولم يكن أي منهم عبارة عن رقم بل دفعوا رسوم عبور إلى الحياة الأخرى.

أجمل ما في المبادرة أنها جاءت لتثبيت فكرة كيف نحيي ذكراهم؟ فبعد مئة سنة عندما يتذكرهم الناس سيعودون إلى هذه اللائحة وتلك الصحيفة، والخسارة بكل الأحوال لا تحصى بالأرقام، بل بالمعنى والمضمون، وهذا ما وجدناه، بعد أن فقدت الصحافة والإعلام في الكويت عدداً من أبنائها الذين قاربوا الخمسة أشخاص، كان منهم الزميل في "الجريدة" "خالد الصدقة" الذي زادت شهرته بالقصيدة المعبرة التي نظمها قبل شهر من رحيله، وكأنه استشعر موته بفعل "الفيروس الشرير" ومطلعها:

Ad

ألا هبي بكمام يقينا

رذاذ العاطسين وعقمينا

فنحن اليوم في قفص كبير

وكورونا يبث الرعب فينا

الناس ونحن وإياهم استذكرت الزميل "أبا يامن" وراحت تردد أبيات قصيدته العصماء "المعلّقة الكورونية" لأنه وضع يده على الجرح بأن جعل الوباء مادة لشعره، يشكو حاله كما بقية البشر من الظلم الذي طاله.

بتنا اليوم ومع كل طلعة شمس، حينما تبدأ العدادات بالدوران وتتناقل وسائل التواصل والمواقع الإلكترونية للصحف الكويتية أرقام الإصابات والوفيات وباقي النشرة اليومية والتي تحظى بالأولوية من قبل الجمهور، نتساءل عن عدد "الضحايا" والرقم الذي وصلوا إليه، نطالع الأسماء وإعلانات النعي التي أضيف إليها عبارة جديدة لم تكن نعهدها من قبل، "نظراً للظروف الراهنة، يقتصر العزاء على الهاتف".

التغيير في زمن كورونا طال سلوكياتنا وأسلوب الحياة الذي كنا نعيشه، انعدمت مراسم التشيع ومواكب الجنازات وباتت "الجثامين" معزولة عن أقرب الناس للمتوفى، خشية انتقال العدوى.

الصور المنقولة عبر الفضائيات أثارت المخاوف لدى من شاهدها، ووقف على طريقة "الدفن" التي تجري! المشاهد المتنقلة لا تحتاج إلى شرح، هي أصدق تعبيراً من الكتب، كم تألمنا لفراق أحبة وأصدقاء في حقبة كورونا، وكنا مقيدين بإجراءات الحظر والعزل، لا نملك سوى التخاطب الجاف عبر الهاتف أو إرسال بضع كلمات نعزي فيها أهل الفقيد، فحالة الوفاة بكورونا أوجدت طقوساً مستجدة دخلت في قاموس الموتى لدى المسلمين واليهود والمسيحيين وغيرهم بخلاف ما كان سائداً من قبل.

فيروس كورونا فرض علينا محرمات ووضع قائمة بالممنوعات من لحظة مفارقة الحياة ونقل الجثة إلى ثلاجة المستشفى ورفعها بالملاءة المحيطة بها وعدم الاقتراب منها، وإجراءات الغسل والتكفين وصولاً إلى نقطة الدفن.

في ظل تلك الظروف القاهرة، حسمت منظمة الصحة العالمية الجدل بقولها ليس ثمة مبرر للخوف من انتشار العدوى بـ"كوفيد- 19" من جثث الموتى، فهي ليست معدية كما لم يثبت أي دليل على إصابة أشخاص بالعدوى نتيجة التعرض لجثة شخص توفي بهذا الوباء.

على العموم جثث الموتى لن تكون معدية لأن الفيروس المسبب للمرض ينتقل في الغالب عبر قطرات زذاذ يطلقها البشر ثناء العطس أو الكحة أو السعال، فقدنا 212 متوفى حتى كتابة هذا المقال، وهؤلاء نحتسبهم شهداء عند ربهم، كانوا وسيبقون جزءاً من هذا المجتمع، أسماؤهم ستبقى محفورة بالذاكرة يستحقون أن نخلّدهم فهم كالسور الذي يحمي من بقي حياً بداخله، لهم الرحمة وعلينا السلام.