في الأسبوع الماضي، أعلنت إدارة ترامب انسحاب الولايات المتحدة المرتقب من "اتفاقية الأجواء المفتوحة"، وهي خطة أساسية لمنع انتشار الأسلحة ساهمت في ترسيخ الشفافية وبناء الثقة بين 35 دولة مشارِكة، وفي بيان صحافي بتاريخ 21 مايو صرّح وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو بأن الولايات المتحدة سترسل إشعاراً قبل ستة أشهر إلى جميع الدول المعنية حول هذا القرار.

برر بومبيو هذه الخطوة قائلاً إن "روسيا انتهكت عدداً كبيراً من شروط والتزامات منع انتشار الأسلحة في مناسبات متلاحقة" ولا تقتصر انتهاكاتها على "اتفاقية الأجواء المفتوحة". تسمح هذه المعاهدة للدول الأعضاء بإطلاق طائرات استطلاعية غير مسلّحة فوق أراضي البلدان المشارِكة شرط إرسال إشعار إلى البلد المعني قبل 72 ساعة، وبموجب بنود الاتفاقية، تستطيع الدول المشارِكة أن تطلق طائرات ثابتة الجناحَين ومزوّدة بأجهزة استشعار متفق عليها.

Ad

برزت مشاكل أخرى في هذا الملف لأن الولايات المتحدة تخشى أن تستفيد روسيا من تفوّق تقني غير منصف بموجب "اتفاقية الأجواء المفتوحة"، في 2016، قررت روسيا إضافة جهاز استشعار رقمي جديد بصري وكهربائي إلى طائرتها "توبوليف تو 154" التي تستعملها خلال رحلات الأجواء المفتوحة، لكن حذر البنتاغون والكونغرس الأميركي معاً من هذه الخطوة، مع أن المشكلة لم تكن تتعلق فعلياً بانتهاك تقني للاتفاقية بل بحصول روسيا على درجة من التفوق التكنولوجي، ويبدو أن مسؤولاً بارزاً في الاستخبارات الأميركية حذر من تحليق طائرات متطورة جديدة فوق الولايات المتحدة لأن هذه الخطوة ستعطي روسيا "تفوقاً كبيراً"، في 2019، أضافت روسيا طائرة "تي يو 214" إلى مهام "اتفاقية الأجواء المفتوحة" فوق الولايات المتحدة، مما أدى إلى تأجيج المخاوف.

لكن اشتكت روسيا بدورها من نقاط معينة: اتّهم وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الولايات المتحدة بفرض "المزيد من الضوابط الصارمة على رحلات الاستطلاع فوق ألاسكا"، ومع ذلك، تبقى المسائل التي تزعج الولايات المتحدة أكثر خطورة.

كانت الاتفاقية في الأصل تحمل نوايا حسنة عند إبرامها، في جلسة استماع للجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ في سبتمبر 1992 حول "اتفاقية الأجواء المفتوحة"، قيل إن الاتفاقية لا تدخل في خانة إجراءات الحد من الأسلحة، بل إنها تدعو إلى رفع مستوى الانفتاح والشفافية تمهيداً لترسيخ الاستقرار وتوقّع الأحداث المرتقبة بسهولة، مما يعني تخفيف حدة التوتر بين الدول المشارِكة.

صدرت الفكرة الأولية عن "اتفاقية الأجواء المفتوحة" من الرئيس دوايت أيزنهاور في عام 1955، لكنها لم تحقق شيئاً لأن الاتحاد السوفياتي في تلك الحقبة رفضها على اعتبار أنها أداة للتجسس، وبعد انتهاء الحرب الباردة، في مايو 1989، طرح الرئيس الأميركي جورج بوش الأب هذه الفكرة مجدداً، وغداة اجتماع بين حلف الناتو وأعضاء حلف وارسو، وبعد مفاوضات أخرى مدعومة من منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، تم التوقيع على "اتفاقية الأجواء المفتوحة" في مارس 1992.

يمكن اعتبار قرار ترامب الانسحاب من الاتفاقية تمهيداً لما قد يحصل مع إجراء آخر يهدف إلى منع انتشار الأسلحة أيضاً ومن المنتظر أن يتجدد قريباً، ومن المتوقع أن تتجدد اتفاقية "سمارت" الثنائية مع روسيا في فبراير 2021، وهي تُحدد سقفاً لعدد الصواريخ النووية المستعملة وتحصرها بـ1550 صاروخاً لكل طرف، لكن نظراً إلى الموقف الأميركي راهناً من التدابير العالمية للسيطرة على الأسلحة، قد ترفض الولايات المتحدة تجديد هذه الاتفاقية أيضاً.

لقد أثبتت إدارة ترامب أنها ترغب في انضمام الصين إلى هذا النوع من إجراءات الحد من الأسلحة، لكن يبدو أن هذه الاتفاقيات المتنوعة بين الولايات المتحدة وروسيا تَحِدّ من قدرة الأميركيين على منافسة الصين بفاعلية لأن بكين غير مُلزَمة بالاتفاقيات نفسها، وهذا ما حصل مع "معاهدة القوى النووية المتوسطة المدى" أيضاً، لكن أعلنت الصين بكل وضوح أنها لا تنوي الانضمام إلى أي اتفاقيات مستقبلية لمنع انتشار الأسلحة إذا كانت تشمل الولايات المتحدة وروسيا.

يصعب أن نتوقع مستقبل خطط منع انتشار الأسلحة نظراً إلى طبيعة العلاقات الشائكة بين القوى البارزة، فقد أصبح "مؤتمر نزع السلاح" في جنيف طي النسيان منذ أكثر من عشرين سنة، ومن المستبعد أن تُعقَد أي نقاشات جدّية خلال ذلك المؤتمر في المستقبل القريب. صحيح أن القرار الأميركي الأخير لن يحسّن الوضع، لكنه يثبت مجدداً أن المنافسة الدولية المتصاعدة بدأت تتجه نحو منطقة المحيطَين الهندي والهادئ، بعبارة أخرى، يجب أن يحصل تواصل مباشر بين الولايات المتحدة والصين لإطلاق حقبة جديدة من خطط منع انتشار الأسلحة.

* راجيسواري بيلاي راجاغوبالان