يواجه ترامب مشكلة مع آسيا، هو يريد أن يطرح الولايات المتحدة كنموذج مثالي للتعامل مع فيروس كورونا، لكن تتفوق عليه بلدان مثل كوريا الجنوبية وهونغ كونغ وسنغافورة وتايوان في جميع المناسبات.

كثّفت كوريا الجنوبية عدد الاختبارات منذ بداية تفشّي الوباء، فنجحت في استباق انتشاره عبر تعقب التواصل الجسدي وتطبيق تدابير مستهدفة من التباعد الاجتماعي، نتيجةً لذلك لم تعد بحاجة اليوم إلى الكم نفسه من الاختبارات.

Ad

يشعر ترامب حتماً بالامتعاض من قصص نجاح أخرى في آسيا، فسجّلت هونغ كونغ مثلاً أربع حالات وفاة، وسنغافورة 20، وتايوان 7، وظهرت أولى الإصابات بفيروس «كوفيد- 19» في كوريا الجنوبية والولايات المتحدة في اليوم نفسه من شهر ديسمبر الماضي. منذ ذلك الحين، اقتصرت الوفيات في كوريا الجنوبية على 259 حالة في حين تجاوزت حالات الوفاة في الولايات المتحدة عتبة 83 ألفا، وبعبارة أخرى مات الأميركيون بوتيرة تفوق سكان كوريا الجنوبية بخمسين مرة تقريبا، لكن الرئيس الأميركي بدل استخلاص الدروس من قصص النجاح الآسيوية عمد إلى انتقادها والازدراء بها.

اليوم، يستطيع جميع سكان كوريا الجنوبية، بغض النظر عن جنسيتهم، أن يخضعوا للاختبار خلال أقل من 10 دقائق ثم يتلقون النتيجة عبر رسالة نصية في اليوم التالي، وعند تشخيص المرض لدى شخص في أحد المباني السكنية، ينشأ مركز للاختبار في ذلك المبنى فوراً.

على صعيد آخر، برعت كوريا الجنوبية في تطبيق تدابير العزل الذاتي، فهذا البلد ديمقراطي مثل الولايات المتحدة، وبالتالي لا أحد يُجبَر فيه على حجر نفسه، لكن تُسهّل الحكومة هناك إجراءات ملازمة المنازل عبر توفير «حزمة رعاية» تشمل منتجات غذائية طازجة وأقنعة للوجه ومعقمات لليد، كما أنها تقدم التعليمات اللازمة حول كيفية التخلص من النفايات وورق الحمّام لجميع الناس، بغض النظر عن جنسيتهم أيضاً.

لم تكتفِ كوريا الجنوبية بتسطيح منحنى الإصابات، بل حققت هذه النتيجة من دون حظر رحلات السفر أو تعطيل الاقتصاد، وعند رؤية صور طرقات لوس أنجلوس غير المكتظة وساحة «تايمز سكوير» الفارغة، قال رئيس مكتب «نيويورك تايمز» في كوريا الجنوبية، تشوي سانغ هون، إن سيئول «لم تتحول يوماً إلى مدينة أشباح، نعم تراجعت أعداد الناس في الشوارع وقطارات الأنفاق، لكن بقيت الحياة طبيعية». في الولايات المتحدة، بلغت نسبة البطالة في أبريل الماضي 14.7%، وهو أسوأ معدل منذ زمن الكساد الكبير، وخسر 20.5 مليون شخص وظائفهم، وهذا الوضع يثبت أن تخفيف حجم الانهيار الاقتصادي هناك كان ممكناً لو اختلفت طريقة التعامل مع الأزمة.

خلال الأسابيع الأولى الحاسمة، حين كانت كوريا الجنوبية تستعد لمواجهة الأزمة بكل قواها، ركّز ترامب على شعاره المفضّل: العنصرية، وعندما أدركت الإدارة الأميركية عجزها عن عكس نتائج الوباء، راحت تلوم الآسيويين وتتكلم عبر وسائل الإعلام عن «الفيروس الصيني»، وتقارن الوباء بأحداث «بيرل هاربر»، وتسترجع عبارات عنصرية قديمة عن عمليات التسلل والغزو الآسيوية، فقد حملت سلسلة من الرسائل الإلكترونية بين خبراء الصحة الحكوميين عنوان «الفجر الأحمر»، في إشارةٍ إلى فيلم عن شبان يحاولون إنقاذ بلدتهم من غزو كوريا الشمالية.

وحتى عندما تباهى ترامب بتكثيف الاختبارات أخيراً بالدرجة المطلوبة، افتقرت الاستراتيجية الأميركية إلى عنصر أساسي من المقاربة الآسيوية الناجحة: التعقب المنهجي للتواصل الجسدي.

في الولايات المتحدة، لا يُسمَح بتحديد المجموعات التي اختلط معها المصابون بفيروس «كوفيد- 19» بسبب مسائل الخصوصية، لكن في كوريا الجنوبية يبدي الناس استعدادهم للتخلي عن خصوصيتهم خدمةً للمصلحة العامة، وهم يثقون بأن حكومتهم لن تستعمل بياناتهم وتبيعها بطريقة غير قانونية.

يبقى قرار الولايات المتحدة بتكثيف الاختبارات أخيراً خطوة على الطريق الصحيح، لكن لو حلل الرئيس الأميركي النموذج الآسيوي منذ البداية بدل إلقاء خطابات عدائية وخرقاء، ما كان وضع الولايات المتحدة اليوم؟

* ماري ميونغ أوكي لي

* «لوس أنجلوس تايمز»