أصبح مصطفى الكاظمي سادس رئيس حكومة في العراق منذ سقوط نظام صدام حسين عام 2003. إنه حدث تاريخي كونه أول صحافي ورئيس استخبارات سابق يرأس الحكومة العراقية، كما أنه ورث مجموعة استثنائية من التحديات، بدءاً من محاربة الوباء العالمي المستجد عبر نظام صحي هش، وصولاً إلى إدارة اقتصاد معرّض للانكماش بنسبة 10% تقريباً بعد انهيار أسعار النفط.

عيّن الكاظمي شخصيتَين بارزتَين في وزارتَي الدفاع والداخلية، ويحمل كل واحد منهما خبرة واسعة في القطاع الأمني، مما يزيد فرصة كبح عدد من الميليشيات الناشطة في البلاد.

Ad

لكن من المتوقع أن يُصَعّب خصوم رئيس الوزراء، داخل البرلمان وخارجه، مهمة الحكومة الجديدة، لا سيما المجموعات التي تخشى أن تتأثر مصالحها الشخصية. لا مفر من وقوع مواجهة صعبة، لكن لا أحد يعرف حقيقة ما سيحصل في المرحلة المقبلة.

خلال أقل من أسبوع، اتخذ الكاظمي خطوات مهمة لإثبات جدّيته وحزمه، وهي صفات كانت الحكومات العراقية تفتقر إليها منذ سنوات، إذ كان قراره بإعادة تعيين قائد مكافحة الإرهاب عبدالوهاب الساعدي أساسياً لاستكمال المعركة ضد «داعش» وتلبية مطالب المحتجين.

على صعيد آخر، يُعتبر قراره بإطلاق تحقيق شامل حول مقتل مئات المحتجين بالغ الأهمية، شرط أن يستمر التحقيق حتى النهاية، هذا الإعلان سبق مداهمة لمكاتب ميليشيا «ثأر الله» في البصرة بعد ظهور أدلة تثبت تورطها في عدد من الاعتداءات على المحتجين.

توجّه الكاظمي بعد استلام منصبه إلى هيئة المعاشات الحكومية في أول زيارة رسمية له، وكان اختياره لواحدة من أكثر المؤسسات البيروقراطية الشائبة في العراق دليلاً على فهمه لمشاكل العراقيين العاديين.

يترقب المجتمع الدولي باهتمام كبير ما سيفعله الكاظمي لتجديد التوازن في علاقة العراق مع إيران والولايات المتحدة ويتطلع إلى معرفة طبيعة سياسته الخارجية، وسيتوقف نجاح أو فشل عهده على المعطيات الداخلية.

تتمتع إيران بنفوذ هائل داخل العراق اليوم، لكنها تفرض ذلك النفوذ عبر عملائها المحليين، وبعدما أعلن أبرز مؤيدي إيران، من أمثال رئيس الحكومة العراقي السابق نوري المالكي وقائد «عصائب أهل الحق»، قيس الخزعلي، معارضتهم للكاظمي، يقوم عناصر آخرون في مجموعات مدعومة من إيران بمناورات كثيرة لتأمين مصالحهم وتجنب أي مواجهة مباشرة، وينتظر البعض الوقت المناسب قبل التحرك، على أمل أن تكون ولاية رئيس الحكومة الجديد قصيرة، ومن المنتظر أن تجري انتخابات بعد 18 شهراً. قد تقع أحداث كثيرة خلال هذه الفترة، لكنها لن تكون كافية على الأرجح لتغيير الوضع في العراق رأساً على عقب.

لا ينتمي الكاظمي إلى أي حزب سياسي ولم يترشح يوماً لأي منصب عام، لذا لا أحد يعرف مدى استعداده للترشح للانتخابات المقبلة، وهو لا يملك وقتاً طويلاً لتنفيذ برنامجه الإصلاحي الطموح، بل إنه مضطر للتعامل مع مشاكل كثيرة.

حين كان العراقيون يتداولون آخر الأخبار عن القرارات الصادرة عن أول اجتماع حكومي بقيادة رئيس الوزراء الجديد منذ أيام، انتشر خبر مختلف. توفيت الأميرة بديعة بنت علي، خالة الملك فيصل الثاني، في لندن عن عمر يناهز المئة عام، لقد كانت آخر أميرات العائلة المالكة العراقية وشكّلت وفاتها نهاية حقبة مليئة بالوعود.

عبّر الكاظمي عن حزنه لوفاة الأميرة بديعة في إحدى تغريداته، فكتب: «بوفاة الأميرة بديعة ابنة الملك علي، تُطوى صفحة مضيئة ومهمة من تاريخ العراق المعاصر. كانت الراحلة جزءاً من مشهد سياسي واجتماعي مثّل العراق خير تمثيل».

على أمل أن يطلق الكاظمي فصلاً جديداً من تاريخ البلاد، شرط أن يمثّل العراق خير تمثيل فعلاً بعد سنوات من أسوأ الأحداث على الإطلاق.

* مينا العريبي

* «ذا ناشيونال»