يقال إن فرنسا تجد حتى في الأوقات الاستثنائية طرقاً جديدة تبرزها كدولة استثنائية، فبحسب دراسة أجراها معهد باستور فإن فرنسا تعاملت مع التغير الوبائي الذي أسفر عن مقتل أكثر من ربع مليون نسمة في شتى أنحاء العالم بطريقتها الخاصة، وتشير الدراسة الى نجاح الحكومة الفرنسية في عزل ومنع انتشار تداعيات وباء كورونا الذي اجتاح الصين وإيطاليا ثم انتقل الى مختلف دول العالم وتسبب في كارثة بيئية مروعة.

الدمار الأوسع الذي أصاب فرنسا- حيث قضى على أكثر من 25 ألف نسمة- يرجع بحسب تلك الدراسة الى طريقة فرنسا في مكافحة الوباء الذي انتشر في شمال البلاد من دون أن يسبب أي أعراض جلية خلال الفترة الممتدة من منتصف شهر يناير الماضي حتى نهايته.

Ad

وتشير حصيلة دراسة معهد باستور الى أن حكومة باريس كانت تحارب عدواً انتشر في داخل حدودها في وقت أبكر مما كانت تظنه، مما جعل مهمة احتواء انتشار ذلك الوباء أكثر صعوبة الى حد كبير، ولكن تلك الدراسة لم تتمكن من الحصول على اهتمام كبير في خضم حملات الدعاية الصاخبة التي ركزت على لوم أسلوب الحكومة ونشر المظالم الناجمة عن الوباء الذي تسبب في خلق أزمة واسعة ومجهولة العواقب.

في غضون ذلك تراجع الدعم الشعبي لحكومة الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون منذ بداية انتشار وباء كورونا، وقد أظهر أحد استطلاعات الرأي أجري أخيراً أن 62 في المئة من الأشخاص الذين شملهم الاستطلاع يعتقدون أن حكومة باريس غير قادرة على السيطرة على ذلك الوباء المهلك.

الرفض الشعبي التقليدي

لكن ثمة حقيقة تعرف عن الشعب الفرنسي، وهي أنه يندر أن كان راضياً عن أي اجراء تتخذه الحكومة، وتأتي هذه الحقيقة في وقت سيئ بالنسبة الى حكومة باريس التي شرعت في محاولة معقدة تهدف الى احتواء الوباء وإنهاء الحجر اعتباراً من 11 مايو الحالي بحسب اعلان سابق في هذا الصدد.

والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق هو: كيف وصلنا الى هذه الحال؟ وفي الولايات المتحدة وبريطانيا- حيث كان فشل الحكومة أكثر حدة وتكراراً- ظلت شريحة واسعة من الرأي العام مؤيدة للحكومة وكانت متعاطفة معها الى حد ما.

لكن ذلك لم ينسحب على الوضع في فرنسا، ويرجع ذلك بشكل جزئي الى الصفة القومية والاحساس بالاستثنائية في أوساط الشعب الفرنسي بصورة عامة.

ومع عدم قبول الشعب لأي خطوة يتخذها قادته، وفي ضوء التقلبات والتغيرات التي تنجم عن وباء كورونا والأزمة التي تسبب بها فقد تعرضت حكومة باريس الى موجة انتقادات واسعة. ولكن ذلك لا يعني أن الحكومة لا تستحق الانتقاد، وقد تأخر الرئيس ماكرون، على سبيل المثال، لأكثر من أسبوع في فرض الحجر اضافة الى تأخر فرنسا السيئ في طرح قدرات اختبار وتشخيص الاصابة بالوباء والنقص الحاد في كمية الكمامات ومعدات الوقاية الشخصية المعروفة.

العدو الغامض والمتغير

ولكن حكومة ماكرون قامت بأداء معقول في محاربة عدو غير مسبوق يصعب فهمه ويتغير بصورة مستمرة، ثم إن الخطوات التي اتخذتها الحكومة منذ بداية الأزمة تضع فرنسا في موقع متقدم عن بعض جاراتها في ما يتعلق بتقليص تداعيات تلك الأزمة، وكانت فرنسا، على سبيل المثال، أول دولة تطرح برنامجاً سخياً حول الدعم الاقتصادي الى الشركات والأفراد كما أن حوالي 11 مليون شخص يتلقون الآن ما لا يقل عن 80 في المئة من أجورهم العادية عن طريق الدولة.

وبرعت فرنسا أيضاً في استخدام القطارات العالية السرعة من أجل نقل المرضى الى المستشفيات في المناطق النائية، وقد نجحت في احتواء وباء كورونا الى حد كبير في المناطق الشمالية والشرقية من البلاد.

وبخلاف بعض الحالات المؤسفة والعاصفة التي شهدتها بريطانيا والولايات المتحدة كانت الحكومة الفرنسية صادقة وأمينة في الإعلان عن عدد الوفيات بسبب الوباء، ولكن على الرغم من ذلك فإن المزاج العام في فرنسا اتسم بنبرة عدائية حادة وهي صورة تنطوي على خطورة.

وتنتشر نظريات المؤامرة على نطاق واسع كما أن كل خطوة- مهما كانت صغيرة- في المسار الخطأ تفضي الى توجيه اتهامات من رجال السياسة المعارضين بأن الحكومة تلجأ الى "الكذب" في بياناتها.

اتهام الحكومة بالإهمال

من جهة اخرى تم رفع أكثر من ثلاثين دعوى قضائية في فرنسا خلال الفترة الأخيرة ضد رئيس الوزراء ووزير الصحة وغيرهما من رجال السياسة بسبب ما قيل عن اهمالهم إزاء سبل محاربة وباء كورونا الذي انتشر بسرعة في البلاد.

وفي وقت سابق من الأسبوع الماضي اتخذ مجلس الشيوخ الفرنسي قراراً ضد الليونة الجلية في مواجهة الحظر الذي بدأ في الحادي عشر من شهر مارس الجاري، وكان التصويت رمزياً فقط ولكن آثاره كانت راسخة وقوية حيث أضافت المزيد الى فقدان الثقة الذي بدأ بالازدياد في حكومة باريس.

وقد ضاعف مشكلة الرئيس ماكرون عدم وجود أنواع من الدعم الشعبي الراسخ والتأييد الحزبي كما هي الحال لدى الرئيس الأميركي دونالد ترامب أو رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، ولا يوجد في فرنسا من يقول إن ماكرون هو بطلنا سواء عن حق أو خطأ.

ومن المؤكد أن ماكرون الذي قفز الى السلطة من خارج المجموعات المهيمنة في الإعلام أو السلطة السياسية ليس الرجل الذي يحظى بدعم شعبي واسع ولذلك فهو دائماً على خطأ في نظر أكثرية الشعب الفرنسي.

وثمة شيء آخر أكثر عمقاً يجري في الأوساط السياسية ويتمثل في حب فرنسا للتجريد والرغبة في اعتبار كل شيء صورة للخيانة والمؤامرة أو المهانة الوطنية، وقد ارتكبت كل الحكومات على وجه التقريب أخطاء في مواجهة الأزمة الراهنة وكانت تلك الأخطاء أشد خطورة لدى البعض وبقدر يفوق الحكومات الاخرى.

تعليقات جناح اليمين

وقد صور معلقو جناح اليمين الفرنسي النقص في عدد أسرّة المستشفيات على أنه صورة ترمز الى التعفن العميق فيما يصر رجال السياسة في جناح اليسار على أن ذلك نتيجة التدمير المفرط في الليبرالية في الدولة الفرنسية (التي تنفق في الواقع أكثر من 8 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي على النظام الصحي العام وهي نسبة تفوق ما تنفقه أكثرية الدول الاخرى في الاتحاد الأوروبي).

وحقيقة الأمر أن النقص في عدد أسرة المستشفيات في فرنسا هو نتيجة سياسات اتبعتها حكومات اليمين واليسار بحيث تتماشى مع التغيرات في أنظمة المستشفيات الحديثة.

وتجدر الاشارة الى عدم وجود تباين مثل ذلك الأداء لدى حكومات الدول الأخرى، وما قامت به من أعمال صحيحة وبين ما تعرضت له من انتقادات من جانب الطبقة السياسية أو وسائل الاعلام أو التواصل الاجتماعي.

وفي وقت سابق قارن معلقون في جناحي اليمين واليسار استجابة فرنسا لأزمة وباء كورونا بما وصفوه "هزيمة فرنسا الغريبة" على يد ألمانيا في عام 1940، وهي جملة طرحها المؤرخ الفرنسي مارك بلوخ الذي جادل في أن العداء المتبادل بين رجال السياسة في جناحي اليمين واليسار في الثلاثينيات من القرن الماضي قد خلق نزعة انهزامية غريزية في فرنسا جعلت انتصار ألمانيا ممكناً.

*جون ليخفيلد