في عهد بوتين، طبّقت روسيا سياسة خارجية أكثر صرامة وعدائية، بالإضافة إلى تجديد نفوذ موسكو في معظم الجمهوريات غير الروسية التابعة للاتحاد السوفياتي السابق، أعاد بوتين إحياء دور روسيا كقوة عظمى في الشرق الأوسط، وحتى في إفريقيا وأميركا اللاتينية، بعدما خسر البلد تلك المناطق في نهاية الحرب الباردة، كذلك كسب بوتين أصدقاء له في بلدان أوروبية كثيرة كانت حليفة للولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية. أخيراً، يقال إن بوتين وسّع نفوذ موسكو في السياسة الأميركية المحلية أكثر مما فعل السوفيات يوماً، لكن رغم نجاح سياسته الخارجية الصارمة عموماً في معظم أنحاء العالم، لم يتلقَ بلد واحد هذه المعاملة نفسها: الصين.

في ما يخص علاقات روسيا مع الصين، بقي بوتين لائقاً ومحترماً على نحو لافت، حتى أنه وصف الرئيس الصيني شي جين بينغ بـ"الصديق الجيد والموثوق به"، إذ يتعلق أحد أسباب هذا الموقف طبعاً بزيادة اتكال روسيا على الصين اقتصادياً نتيجة العقوبات الاقتصادية الغربية على روسيا بعد ضم شبه جزيرة القرم ومسائل أخرى، لكن يبقى بوتين سياسياً واقعياً وصارماً، لذا من الطبيعي أن يلاحظ تنامي النفوذ الاقتصادي الصيني مقابل جمود روسيا، حتى أنه يدرك على الأرجح أن زيادة قوة الصين الاقتصادية وارتفاع عددها السكاني قد يؤديان قريباً إلى تفوّق بكين على موسكو عسكرياً، ومن المعروف أن زيادة اتكال روسيا على الصين قد تحد من حرية تحرك موسكو، وبوتين شخصياً، على الساحة الدولية.

Ad

لكن يبدو أن بوتين لا يتوقع من الصين أن تفرض أي تهديد على روسيا يوماً. ما السبب؟

ربما يركّز بوتين على التهديد الذي يعتبره أساسياً من جانب الولايات المتحدة والغرب لدرجة ألا يولي انتباهاً كافياً للتهديدات المحتملة التي تفرضها الصين، وبما أنه يقبع في موسكو ويحصر تركيزه بالغرب، يصعب عليه أن يشيح بنظره نحو الجنوب الشرقي، لكن يبقى هذا التفسير مستبعداً لأن بوتين معروف بدقة ملاحظاته لأي نوع من التهديدات المطروحة.

أو ربما يتابع بوتين التعامل باحترام مع شي جين بينغ لأنه مقتنع بأن الصين لن تهدد روسيا يوماً طالما تعتبر واشنطن مصدر التهديد الأساسي عليها، وفي حال طرحت الصين تهديداً حقيقياً على روسيا، ستهدد الولايات المتحدة والغرب أيضاً، وفي هذه الحالة، من مصلحة الأميركيين والغربيين أن يتحالفوا مع روسيا الأكثر ضعفاً ضد الصين الأكثر قوة، بغض النظر عن توتر علاقات روسيا مع الولايات المتحدة والغرب في المراحل السابقة.

يبدو هذا المنطق المبني على المصالح الخاصة الأقرب إلى شخصية بوتين، فإذا كان يحمل هذا الرأي فعلاً، فقد يكون محقاً في موقفه، وربما يفضّل قادة الغرب المنغمسون في منافسة عالمية ضد الصين التحالف مع روسيا، مهما كرهوا بوتين، بدل التحالف مع الصين.

على صعيد آخر، قد لا يدرك قادة الغرب المختلفون مع روسيا أن بوتين أو خلفه لم يعد معادياً لهم، مع أن موسكو تريد منهم أن يفهموا هذا التبدل في المواقف، وإذا لجأت روسيا إلى الغرب بحثاً عن الدعم ضد الصين، فقد يفضّل قادة الغرب الوقوف على الهامش والسماح لموسكو وبكين بالتركيز على المنافسة بينهما بدل الالتفات إلى تنافسهما مع الغرب.

هذا السيناريو ليس حتمياً على الإطلاق لكنه احتمال وارد، ويُفترض أن يدفع بأي رئيس روسي مُعادٍ للغرب، على غرار بوتين، إلى تجنب هذا التطور عبر تجديد التوازن في علاقته مع الصين والولايات المتحدة بدل الانحياز إلى بكين ومعاداة الأميركيين على اعتبار أن موسكو تستطيع تغيير تحالفاتها حين تشاء، لكنّ امتناع بوتين عن تحقيق ذلك التوازن يثبت أن الأحقاد والمصالح الشخصية تؤثر على حساباته أكثر من التحليلات المنطقية.

*مارك كاتز