في أغسطس 2008 كتبت مقال «الاتجار بالبشر الأخطر من النووي على الخليج» حول أضخم وأخطر تظاهرات لعمالة وافدة شهدتها المنطقة، إذ قام الآلاف من عمال الخدمات والنظافة البنغال بإضرابات شملت مناطق عديدة لدولة الكويت، احتجاجا على الظروف المعيشية السيئة، وحرمانهم من أبسط حقوقهم، وأدت إلى شل كثير من الأعمال الخدمية والمصالح العامة، وتحولت إلى عمليات عنف وتخريب وتحطيم للمحلات والمركبات، وخطف عائلة بنغالية ومطالبة الجهات الأمنية بتنفيذ مطالبهم أو قتل الرهائن، وكادت الأمور تتطور إلى الأسوأ، لولا بسالة قوات مكافحة الشغب التي سيطرت على الانفلات الأمني، وفرقت التظاهرات، وقبضت على الزعماء المحرضين ورحلتهم.

وما حصل في الكويت تكرر في أكثر من بلد خليجي، ففي دبي، وقبل عام من الكويت، قامت مجموعة من العمالة بإغلاق الطريق الرئيس المؤدي إلى (جبل علي)، ورمي السيارات بالحجارة، وتوجب تدخل قوات مكافحة الشغب لتفريقهم. تساءلت يومها: ما الذي دفع هذه العمالة إلى التظاهرات وأعمال الشغب والتخريب؟

Ad

وكان الجواب كلمة واحدة «الاستغلال»، استغلال وجشع شبكات «التجارة في البشر» للعمالة، تستغلهم أبشع استغلال، تستقدمهم بأجور معينة، ثم لا تصرف لهم نصف مستحقاتهم، وتتعمد تأخيرها شهوراً، تكدسهم في مساكن تفتقد أبسط الشروط الصحية والإنسانية اللائقة.

كان هذا الاستغلال يتم رغم التشريعات القانونية الخليجية التي تحمي حقوق العمالة الوافدة، لكن الجهات المسؤولة كانت تتغاضى، وتغمض عينيها عن التجاوزات والانتهاكات، طوعاً أو كرهاً، مما جعل دول الخليج عرضة للتقارير الحقوقية الدولية المنتقدة للأوضاع البائسة للعمالة.

ذلك قبل 12 عاماً، لكن جهودا خليجية بذلت، وتطورت التشريعات لحماية حقوق العمالة، كما تشددت آليات المراقبة والتفتيش والغرامات، وفِي هذا المجال تميزت دولة قطر بتشريعات حقوقية عمالية متقدمة، ونشأت مدن عمالية في مختلف الدول الخليجية بهدف تحسين الظروف المعيشية للعمالة.

لا نبخس الجهود الخليجية حقها إلا أن ضغوط ومصالح الشبكات المنتفعة بـ»الاتجار بالبشر»، وهي شبكات ضخمة، متعددة الأطراف، تشمل حتى المواطنين، كانت أعظم وأقوى، فتفاقمت التجارة المجرمة دولياً، وجاءت جائحة كورونا لتسقط الأقنعة، وتعري ظواهر الفساد التي تنخر الدول الخليجية.

مقالي «لكيلا يصبحوا قنابل بيولوجية موقوتة» سلط الأضواء على مشاهد مأساوية للظروف المعيشية «غير الصحية وغير الإنسانية» لآلاف العمالة الوافدة وعائلاتها، في مناطق تشكل بيئة خصبة لتفشي العدوى.

التداعيات الخطيرة، أمنياً وصحياً، لهذه الأوضاع البائسة، في ظل أزمة كورونا، خلقت تحديات ضخمة ومربكة لحكوماتنا، تستنزف جهودها ومواردها، فبلادهم ترفضهم، وهي لا تستطيع التخلي عن مسؤولياتها تجاههم!

ما الذي أوصلنا إلى هذه الأوضاع المربكة؟!

إنها الشبكات المنتفعة بالاتجار بالبشر، لا حدود لجشعها واستغلالها، فهي لا تستغل البؤساء فحسب، بل تستغل المجتمع والدولة أيضا: تستغل البؤساء فتبيعهم الفيز وتجديد الإقامات، وتستغلهم في أجورهم، وتستغلهم حين لا توفر لهم سكناً لائقاً، فتحشر العشرات منهم في شقة، والعشرات من العائلات في فيلا، كما تستغل الدولة، حين لا تدفع كلفتهم من موازنات الخدمات والمرافق والدعومات، وهي بالمليارات، وتستغل المجتمع في استقدام عمالة سائبة، تزحم العواصم الخليجية، وتشكل عبئاً على الخدمات والمرافق والطرقات.

هذه الشبكات إحدى ثمرات الاقتصاد الريعي الذي جذر الاعتماد على العمالة الرخيصة، فأصبح المواطنون متكلين عليها، ويتوسعون في استقدامها، كجزء من مظاهر الترفيه.

تساءل د. عبدالخالق ومنى الريسي: لماذا (6) دول خليجية نفطية، قليلة السكان، أكثر تضررا من (13) دولة عربية، وتسجل 75% من إصابات كورونا عربياً؟! وجوابي هو: هذه البيئة المعيشية (غير الصحية) للعمالة، العامل الأول في رفع معدلات الإصابة، وتطويل أمد مواجهة الجائحة خليجياً!

أخيراً: الاتجار بالبشر ثالث جريمة دولية بعد جريمتي المخدرات والسلاح، وعلى حكوماتنا أن تكون حازمة، وتفكك هذه الشبكات العابثة بمصالح الدولة والمجتمع، كما عليها السعي بحزم لمعالجة الخلل السكاني الخليجي، فعندما يكون مواطنوك أقلية 10 إلى 20% من السكان فهذا وضع شاذ ومعيب وخطر عالمياً.

* كاتب قطري