اليوم في مقالنا الرابع عن القصيدة النشوانية، التي توثق ملوك مملكة حمير، نتحدث عن الملك سبأ بعد أن تحدثنا في المقالات السابقة عن النبي هود عليه السلام، وابنه قحطان، وابن قحطان يعرب، وابن يعرب يشجب. يقول نشوان الحميري في قصيدته:

وسَبا ابْن يَشجُب وهو أولُ مَن سَبا ​​في الغزو قِدماً كلَّ ذاتِ وِشاحِ

Ad

إذن انتقل الحكم من بعد يشجب إلى ابنه سبأ، الذي نسبت إليه مملكة سبأ المذكورة في القرآن الكريم. تقول الروايات التاريخية إن سبأ، واسمه الحقيقي هو عامر، كان ملكاً عظيماً، وكان يعبد الشمس فلقب بعبد شمس، كما لقب أيضاً بسبأ، وهو اللقب الأشهر. قال فيه أحد الشعراء:

وَرثنا العزَّ من جدٍّ فجدٍّ وراثةَ حِميرٍ من عبد شمسِ

ويقال إن سبأ قضى وقتاً طويلاً من فترة حكمه في التوسع في جميع الاتجاهات، حيث سيطر على بابل وخراسان والشام وقتل الكثيرين وتبعهم إلى مصر وأقصى المغرب. ويقال أيضاً إنه بنى مصر وأطلق عليها اسم "بابليون"، وهو اسم أحد أبنائه الذي تولى إدارة مصر تحت حكم والده. وقد أطلق عليه اسم سبأ لأنه كلما تغلب على أُمّة سبى ذراريهم، فهو أول ملك في التاريخ يسبي النساء في الحروب، وهو ما أكده نشوان في قصيدته.

وقد ورد على لسان سبأ قوله الأبيات التالية:

ألا قل لبابليون والقول حكمـــــة

مَلَكْتَ زمام الشرق والغرب أجملِ

وخذ لبني سام من الأمر قسطـه ​​

ولا تك جبّارا عليهم وامهلِ

وخذ لبني حام من الأمر حظــه

إذا صدّقوا يوماً على الحق واقبلِ

فإن جنحوا بالقول للرفق طاعة​​

يريدون وجه الحق والعدل فاعدلِ

ولا تُظهرن الجور في الناس يجتروا​

عليك به واجعله ضربة فيصلِ

إلى أن يقول:

وداوِ ذَوِي الأحقادِ بالسيف إنه

​​متى يَلْقَ منك العزم ذو الحقد يَعْقِلِ

وكُن لسؤال الناس غيثاً ورحمةً

​ومَن يكُ ذا عُرفٍ من الناسِ يُسألِ

وإياك والضيف الغريب فإنه ​​

سيُثني بما تُؤتيه في كل منزل

ويقال أيضاً إن سبأ هو الذي بدأ ببناء السد الشهير بسد "مأرب" أو كما سمّاه الله تعالى في كتابه الكريم بـ "سيل العَرِم" الذي، طبقاً لبعض الكتابات، يصب فيه سبعون وادياً، لكنه توفي قبل إتمام بناء السد. وقد أعقب الملك سبأ في الحكم ابنه حِمْيَر، حيث جمع سبأ في نهاية حياته قومه وأعلن لهم أن الحكم من بعده لابنه حمير وأخذ منهم عهوداً على دعمه والثبات معه. كما أعلن في ذات الوقت أن ابنه الأصغر "كهلان" سيكون من بعده مسؤولاً عن الجيش والقتال والأمن. وفي هذه القسمة بين الأخوين، يقول أحد الشعراء الذين حضروا هذا الإعلان:

ما ساد هذا الورى أبناءُ قحطان ​​

إلا بفضلٍ لهم قدما واحسان

ما في الأنام لهم حيٌّ يشاركهم​​

ولا لواحدهم في الأرض من ثاني

لم يشهد الناس في بدو ولا حضر​

حكما كحكم عظيم الملك والشان

سبا بن يشجب لابنيه وإنهمـــــا

​​لَلسيّدان الرفيعان العظيمان

أعطى ابنه حميرا منه اليمين وقد

أعطى الشمال ابنه المسمى بكهلان

وقال أقسم مُلكي اليوم بينهمــــا​​

وقسمة المال للابنين سهمان

نكمل الحديث عن ملوك حمير في المقال المقبل بعون الله تعالى.