قبل الخوض في حياة نزار بعد لبنان وتنقله في العالم واستقراره لاحقاً في لندن، سنمر على تجربة من تجارب نزار الفنية التي قد لا يعرفها إلا القليلون، والتي وجدتها خلال بحثي عن حياته بتفاصيلها؛ وجدتها في مقال بصحيفة اليوم السابع المصرية، وهي تجربة نزار قباني في التمثيل عام 1967 التجربة الوحيدة التي لم تتكرر في مسلسل إذاعي بعنوان "القيثارة الحزينة" والبطولة للمطربة نجاة الصغيرة التي وافقت على العمل، بعد محاولات المخرج الكبير السيد بدير بإقناعها مع نزار، خصوصا بعد نجاح عمليهما معا "أيظن" و"ماذا أقول له؟". والعمل من تأليف الكاتب المصري الكبير يوسف السباعي والموسيقى للموسيقار محمد عبدالوهاب وشاركهم البطولة كمال الشناوي وحسين الشربيني ونعيمة وصفي ووداد حمدي وعبد البديع العربي.

تدور أحداث المسلسل حول الفتاة الرقيقة "هدى"، لعبت دورها نجاة، التي تعيش مع والدها الكبير في السن، وقام بدوره عبد البديع العربي، وخادمتها وداد حمدي، في فيلا بالإسكندرية، يسكن بجوارها شاب محامي اسمه عصام، لعب الدور كمال الشناوي، الذي يحاول التقرب منها ومعرفة سر حزنها وشرودها معظم الوقت، وبعد تردد تحكي له قصتها مع خطيبها عزت، الذي لا تبادله مشاعر عاطفية، القصة هذه عرّفتها بالكاتب الكبير صاحب الروايات العاطفية المثيرة "طارق"، وقدم هذا الدور نزار قباني. وقد اعتادت هدى قراءة باب المشاكل الذي يقدمه طارق في الصحافة وقررت أن تستشيره في أزمتها العاطفية.

Ad

رسائلها لم تكن تصل إليه، حتى أرسلت ذات يوم رسالة تهدده فيها بمقاطعة بابه الصحافي إذ لم يرد. بعد أن قرأ الرسالة طلب مقابلتها في الإسكندرية لمعرفة المشكلة، ليقدم نصيحته لها، وتكرر لقاؤهما مرتين، أما الثالثة فتعذر عليه ذلك بسبب المرض وقراره السفر إلى لبنان للاستراحة.

هدى أحبت طارق الأربعيني، فهل أحبها؟ طارق كان يرى فيها ابنته "هيفاء" التي تغيب عن عينه بسبب اختلاف أماكن إقامتهما كل في دولة، فأقنعت هدى نفسها بعدم اللقاء مرة أخرى لتعود إلى خطيبها عزت الذي اكتشفت محبتها له.

المميز في أداء نزار في المسلسل أن كل جملة كانت بمثابة بيت شعري يلقيه، وكأنها قصيدة يرتلها بصوته خلال الحلقات جميعها.

«قاموس العاشقين»

بالمتابعة في إصدارات شاعرنا الكبير، وتحديداً في عام 1979 صدر ديوان "أشهد أن لا امرأة إلا أنت" وضم اثنتين وأربعين قصيدة، منها: "الافتتاحية- المحاكمة- أشهد أن لا امرأة إلاّ أنت- قدرٌ أنت بشكل امرأة- أعظم أعمالي- حبيبتي هي القانون- التمثيليّة- قولي أحبّك- هل هذه علامة؟- الحضارة- التجارب- أحبّك- التعاريف- المطر- لماذا؟- اكبري عشرين عاماً- الإناء- تعالي البارحة- تربية الخيول- على البحر الطويل- كي يأتي النهار- هل يعرف القرّاء؟!- اللغة- اغتصب العالم بالكلمات- الوردة والفنجان- هل تكتبين معي القصيدة؟- صعوبة- حماقة- شهادة تأمين- إلى ثلاثينيّة- الحافية- الدخول إلى البحر- إلى نصف عاشقة- الكتاب المقروء- الطوابع- هربت من زمني الشعري- الدفاتر القديمة".

وفي عام 1980 نشر نزار ديوان "قاموس العاشقين"، ويضم ستاً وستين قصيدة، نذكر منها: "سأحاول- إيضاح صغير- أول أنثى... أول رجل- كي أتحضر- لو نحن استقلنا- الطوفان- تفوق- بداية التاريخ- من لا يحبك يبقى دون وطن- أستاذتي في الشعر- عاطل عن العمل- لم تعد تقبلني بيروت وحدي- نزار قباني ملكاً- عندما تركض الأشجار- لحناني لك صوت- ما هو الحب؟- آخر ديوان شعر- مليون قمر- لو دخلت في دمنا امرأة- تعريف جديد للوطن- تنويعات على وتر القبيلة- ثورة الخيول- حب في علبة البريد".

كما نشر عام 1981 مجموعته الشعرية "هكذا أكتب تاريخ النساء"، وتضم سبع عشرة قصيدة، نذكر منها: "أريدك أنثى- ربما- قصيدة حب 1980- صورة خصوصية جداً من أرشيف السيدة م- سأقول لك أحبك- هل تجيئين معي إلى البحر- كيف؟- شيزوفرينيا- مخطط لاختطاف امرأة أحبها- تكتبين الشعر وأوقع أنا- إلى سيدة تصطنع الهدوء- أيتها السيدة التي استقالت من أنوثتها- حوار مع امرأة على مشارف الأربعين". وهو يقول في قصيدة تكتبين الشعر وأوقع أنا:

ليس لي القدرة على تغييرك

أو على تفسيرك..

لا تصدقي أن رجلاً يمكنه تغيير امرأة..

وباطلة دعاوى كل الرجال الذين يتوهمون

أنهم صنعوا المرأة من أحد أضلاعهم...

المرأة لا تخرج من ضلع الرجل أبداً...

هو الذي يخرج من حوضها...

كما تخرج السمكة من حوض الماء

الحياة في لندن

بعد بيروت، تنقل نزار قباني بين باريس وجنيف ليستقر في لندن عام 1985 مع ابنته زينب وقد جاوز الستين من عمره، بعيدا عن البلاد العربية، ليستكمل حياته في عاصمة الضباب. تقول ابنته هدباء: نزار في لندن ازداد عمقا وتجربة، وهو في حياته لم يعانِ من العزلة والوحدة، بل كان يستمتع بالسير في الحدائق ويستمتع بعلاقته معنا. كل الأشياء والمشاعر التي لم يكن لديه الوقت الكافي ليمارسها مارسها معنا هنا: الأبوة، الشعر، الاستمتاع بالموسيقى والطبيعة والحيوانات. كان معجباً بحرية الحمام في لندن، وأنه لا يخاف من البشر، ولا يصطاده أحد. في بلادنا كان يمكن أن يكون مشوياً خلال دقائق، حتى أنه كان هناك حمام يقف على شباكه وكان يطعمه، وفي يوم من الأيام قام المسؤولون عن البناية بطرق بابه ليضعوا شباكاً لطرد الحمام، بدعوى أنه يوسخ البناية، فمنعهم وغضب منهم، معتبرا أنهم متوحشون. كان في كل ربيع وهو شهر ميلاده (21 مارس)، والذي كان يتباهى به كونه ولد في عيد الأم وعيد الربيع، كان قرب بيتي شجرتان تزهران بالأبيض والأخرى بالزهري- كان يتأملهما ويصفهما بعروستين تلبسان فستاني العرس. في لندن مارس الأشياء الصغيرة بسعادة: علاقته بأولاده، وأحفاده، بيته، وشراء الخضار وأغراض المطبخ، المشي في الحدائق قصار لديه شعور الطمأنينة أخيرا. حتى عندما مرض لم يخف من الموت وقال لي: لست خائفاً.

وفي عام 1985، أصدر ديوان "الحب لا يقف على الضوء الأحمر"، وضم ثلاثاً وعشرين قصيدة، منها: "افتتاحية- القرار- معها في باريس- من يوميات تلميذ راسب- تصوير- من يوميات رجل مجنون- فاطمة في الريف البريطاني- لا أرى أحداً سواك- حبيبتي تقرأ فنجانها- امرأة تمشي في داخلي- على عينيك يضبط العالم ساعاته- إنها تثلج نساء- الحب لا يقف على الضوء الأحمر".

وفي قصيدة "لا أرى أحداً سواك" يقول:

أنا لا أفكر

أنا لا أقاوم أو أثور على هواك

فأنا وكل قصائدي..

من بعض ما صنعت يداك

إن الغرابة كلها...

أني محاط بالنساء...

ولا أرى أحداً سواك

سادية وشعوبية

وفي عام 1986، أصدر نزار ديوان "قصائد مغضوب عليها"، وهو ذو طابع سياسي بحت، ويتحدث فيه عن واقع العرب عموما والحال التي آلت إليها الأوضاع في الوطن العربي، ليتعرض مجددا لهجوم عنيف من منتقديه، ويصل هذا الهجوم الى حد الطعن بعروبة القباني، نظرا لتأثير أشعاره الواضح. ولعل الهجوم الأكبر كان من قبل جهاد فاضل، الكاتب والناقد اللبناني، الذي هاجم نزار بضراوة في كتابين "فتافيت شاعر" و"نزار قباني... الوجه الآخر"، فيتهمه بالشعوبية وبأن شعره سادي، عدمي، تدميري، شعبوي، معبأ بأحقاد غير العرب على العرب، شعر له نسب واحد في تراثنا الشعري هو تراث الشعبوية، فالشعبوية قامت في تراثنا الإسلامي على التقليل من شأن العرب لغة وتراثا ومقومات، والاستهزاء بقيم العرب ومثلهم. واقتطع الكاتب من القصائد بعض العبارات للاستشهاد بها في هجومه عليه:

أنت في بيتك محدود الإقامة...

أنت في قومك مجهول النسب...

يا صديقي رحم الله العرب...

كما طعن بعروبته حين قال: ظل نزار على مثل هذه النظرة الدونية إلى العرب طوال حياته، بدأ بها وانتهى بها، بل أرجعها البعض إلى شعوبية مبعثها دماء تركية كانت تسري فيه بالتأكيد. ويرى الكاتب علي أحمد العرود، في كتابه "جدلية نزار قباني في النقد العربي الحديث"، أن ما فعله جهاد فاضل كان ردا على نزار قباني الذي اتهمه بتغيير اسمه من جوزيف إلى جهاد، حين قال إثر خصومة نشبت بينهما بعد مقابلة صحافية أجراها جهاد مع نزار: وإذا كنت أقبل الوعظ القومي والعربي يأتيني من خالد بن الوليد وعقبة بن نافع وصلاح الدين الأيوبي وجمال عبدالناصر، فإنني أرفض رفضا مطلقا الوعظ القومي عندما يأتي من محرر أدبي لا يتورع عن تغيير اسمه من جوزيف الى جهاد؛ ركوبا لموجة الجهاد والمجاهدين، ولأن عدة الشغل تستلزم هذا التغيير. (في مجلة الحوادث عام 1987).

إلا أن الرد أيضا على فاضل جاء من أكثر من جهة، فالدكتور يوسف الصميلي قال بعد تعقب بعض الشواهد والنماذج الشعرية التي جاء بها جهاد لإثبات أدلته ضد القباني: إن جهاد عمد إلى اجتزاء النماذج من سياقها لتعطي البعد الفكري الذي يعنيه، واستل المقاطع من سياقها الطبيعي، ليؤكد اتهاماته العارية من الصحة لنزار، مثلا قصيدة "أحمر. أحمر. أحمر":

يا صديقي

لا تسر وحدك ليلا...

بين أنياب العرب

أنت في قومك مجهول النسب...

يا صديقي،

رحم الله العرب

ومن الذين هاجموه أيضاً: هاني الخير ومحمود محمد أسد، أما الذين دافعوا عنه فهم: نبيل خالد أبوعلي وعرفان نظام الدين.

وفي عام 1990، أقام نزار دعوى قضائية ضد إحدى دور النشر المصرية لإصدارها كتاب "فتافيت شاعر"، الذي شن فيه فاضل هجوما كبيرا على نزار، وطالب القباني بألف جنيه كتعويض، وتم الصلح بعد محاولات مستميتة. ونتذكر أنه خلال فترة إقامة نزار قباني في القاهرة، تعرض لهجوم من بعض شعرائها وصحافييها، فالكاتب الصحافي موسى صبري رئيس تحرير صحيفة الأخبار وجه مجموعة من الشتائم للشاعر، ضمنها جملته الشهيرة التي قال فيها: "عليك اللعنة يا نزار... يا قباني" وجعلها عنوان مقالته وختامها. ونذكر أيضاً أنه في عام 1990 صدر قرار من وزارة التعليم المصرية بحذف قصيدة "عند الجدار"، لنزار، من مناهج الدراسة بالصف الأول الإعدادي، لما تتضمنه من معان غير لائقة. وقد أثار القرار ضجة حينها، واعترض عليه كثير من الشعراء في مقدمتهم محمد إبراهيم أبوسنة.

ديوان قصائد مغضوب عليها ضم عشرين قصيدة، منها "كيف؟- إلى عصفورة سويسرية- البوابة- على القائمة السوداء- لماذا أكتب؟- التلاميذ يعتصمون في بيت الخليل بن أحمد الفراهيدي- تقرير سري جدا من بلاد قمعستان- هجم النفط مثل ذئب علينا- من يوميات كلب مثقف- قرص الأسبرين- السيمفونية الجنوبية الخامسة- آخر عصفور يخرج من غرناطة- التأشيرة- لماذا يسقط متعب بن تعبان في امتحان حقوق الإنسان؟- درس في الرسم- من معادلات الحرية- حزب الحزن- عزف منفرد على الطبلة- أحمر... أحمر... أحمر".

وفي قصيدة "قرص الأسبرين" يقول:

ليس هذا وطني الكبير

لا...

ليس هذا الوطن المصنوع من عشرين كانتونا...

ومن عشرين دكانا...

ومن عشرين صرافا...

وحلاقا...

وطبالا... ورقاصة..

يسمى وطني الكبير

يا وطني

يا أيها الضائع في الزمان والمكان،

والباحث في منازل العربان..

عن سقف، وعن سرير

لقد كبرنا... واكتشفنا لعبة التزوير

فالوطنُ المِنْ أجلهِ مات صلاحُ الدين

يأكله الجائعُ في سهولة

كعلبةِ السردين..

والوطن المِن أجله قد غنت الخيول في حطين

يبلعه الإنسان في سهولة...

كقرص أسبرين!!

خلافات كثيرة مرت في حياة نزار قباني مع شعراء ونقاد وغيرهم، إلا أن خلافا واحدا انتهى بمصالحة وود وصداقة لابد من ذكره، وهو الخلاف بينه وبين الشاعر والسفير السعودي في لندن د. غازي القصيبي، في آخر سنوات نزار في تلك المدينة. وتعود أسبابه إلى مقال نشره نزار في جريدة الحياة اللندنية عن هوان العرب بعنوان "نحن السريلانكيين الموقعين أدناه"؛ رأى فيه القصيبي شيئا من العنصرية، فكتب رسالة إلى المحرر في الجريدة يذكر فيها القراء بأن السريلانكيين بمعيار الديمقراطية والتنمية البشرية أفضل بكثير من العرب، فأزعجت الرسالة نزار، ليعود القصيبي ويقول في مقابلة له مع صحيفة "الوسط": أرفض أن أقارن بنزار، لأنه أشعر مني. فغسل التصريح أثر الرسالة.

وعن هذه العلاقة بين الشاعرين يتحدث الكاتب عرفان نظام الدين، في كتابه "آخر كلمات نزار" قائلا:

بعد أن مضت الأيام وانمحى الخلاف، جاءت غيبوبة نزار لتغسل كل الأدران، وكان د. غازي دائم السؤال عن أحواله، فيرسل باقة ورد جميلة كل يوم مع بطاقة يزينها بعباراته الشعرية المحببة، وكنت أنا أنقل تحيات د.غازي لنزار دائما، ونقلت للقباني رغبة السفير بلقائه بعد أن سمح له الأطباء بذلك، فرحب نزار به، وبالفعل بعد مدة زاره القصيبي في المستشفى والتقيا بمحبة كبيرة، دون أن يتطرقا نهائيا لمشكلة الخلاف حول "الحادثة السريلانكية"؛ يتلو نزار قصيدة فيرد القصيبي بأخرى، وطوال الزيارة ونزار يشتكي من هروب وحي الشعر، ليطمئنه الدكتور بأنه سيعود قريبا، فالشعر لا يستغني عن المبدعين. ويرد نزار بحزن متواصل: لكنك كنت تهرب في "الوقت الضائع" للرواية من "شقة الحرية" و"العصفورية" وغيرها، كما أنك مشغول بهموم السفارة وشؤونها وشجونها، أما أنا فالشعر هو حياتي وعمري، أمسي وأصبح عليه.

ويضيف نزار بحزن: في كل مرة أمر فيها بهذه الحالة اللاشعرية أنظر إلى الورق المتلهف على حبري وشعري، فأرى فيه كفني، أليس غريباً هذا الشعور؟

يستدرك د. غازي الموقف: ربما هرب الشعر منك عندما علم بأني آتٍ لزيارتك. سلامتك يا عزيزي نزار. ليعودا ويلتقيا مجددا في بيت نزار، بعد أن عاد إلى بيته، بعد لقاء نزار بالشاعر محمود درويش والأديب الكبير عبدالله الجفري.

ريش الشعر الأخضر

بعد وفاة الشاعر الكبير نزار قباني، نشر السفير السعودي والشاعر د. غازي القصيبي قصيدة "نزارية خاصة لنزار"، التي خصصها للقباني، في الكتاب الموسوعي المعد تكريما له، وقال فيها:

ندق على جدرانه... وننقر

أكوخك هذا.. أم زبيب وسكر

نجيئك أطفالا... فتمنحنا الدمى

وتحكي لنا ما كان يفعل عنتر

ونأتيك أطياراً تناثر ريشها

فينمو لنا ريش من الشعر أخضر