هلع الناس والحكومات من تفشي وباء كورونا وحصد المزيد من أرواح البشر واضح للعيان. وإذا كان الاقتصاد يأتي بالمرتبة الثانية تضرراً بعد حياة الإنسان، فإن هناك صناعات كثيرة ضُربت بمقتل من جراء تفشي الوباء وما ترتب على ذلك من إجراءات وقائية، وأثّر بشكل مباشر على طرق معيشة البشر وما يحيط بهم أينما كانوا.

صناعة الكتاب، أو سوق الكتاب، تأثرت كثيراً في كل مكان، فعلى امتداد جغرافيا العالم، شُلت حركة النقل والتنقل، مما أثر بشكل مباشر على عملية الشراء، وتحديداً الشراء المباشر من المتاجر والمكتبات، وهذا بدوره أثر على الطباعة، لأن مصانع الورق، والمطابع قد توقفت عن العمل، وأن عدداً كبيراً من موظفيها وعمالها تم تسريحهم، أو هم قيد الحجر المنزلي أو المؤسساتي.

Ad

صناعة الكتاب العربي ليست بعيدة أبداً عما أصاب سوق الكتاب العالمي، بل قد يكون ضررها كبيراً وأكثر من دول العالم الغربي وأميركا والصين واليابان. الكتاب العربي والناشر العربي تضررا ضرراً كبيراً بسبب أكثر من عنصر، ويأتي على رأسها عنصران هما: أولاً: توقف وتأجيل معارض الكتب، وهي التي تُعد المصدر الأهم في إيراد أي ناشر عربي. وثانياً: إغلاق المكتبات، وتسريح الموظفين، لحين إشعار آخر. وإذا كان الناشر في الغرب قد تضرر، فإن سوق الكتاب في الغرب لاقت انتعاشاً مع تفشي "كورونا"، حيث لجأ عددٌ كبير من القراء حول العالم، للتعامل مع الكتاب الإلكتروني، والشراء عبر "أمازون" أو أي من مواقع بيع الكتب المنتشرة عبر فضاء العالم. لكن، مشكلة الناشر العربي، وربما القارئ العربي، أن جزءاً كبيراً من العلاقة بينهما تتم بشكل مباشر، فلقد اعتاد معظم القراء العرب شراء كتبهم من معارض الكتب أو من المكتبات التي يرتادونها. ولأن الناشرين العرب، خلال العقود الماضية، ظلوا على علاقتهم المباشرة ببيع الكتاب، ولم يتطوّروا في مهنة النشر، بحيث يصبح لدى كل ناشر منصة بيع إلكتروني يتعامل معها، ويقدم لها كتبه بصيغة رقمية، وللعلم فهذه الصيغة الرقمية، هي ليست صيغة الـ(بي دي أف-pdf)، بل هي صيغة أخرى، تتيح للقارئ التمتع بقراءة الكتاب والتفاعل معه بشكل أكبر وأكثر مرونة. وعدم تفاعل الناشر العربي مع الكتاب الإلكتروني والبيع الإلكتروني أصاب سوق الكتاب العربي في مقتل. فأزمة "كورونا" كشفت بشكل جلي أن الكتاب الإلكتروني وكذلك الكتب الصوتية الرقمية تبيع بشكل أفضل من الكتاب الورقي، وبنسب أعلى.

متاجر ومكتبات كثيرة، حول العالم، أغلقت أبوابها وسرحت موظفيها، وانتهى الأمر ببعضها إلى الإفلاس، وليس معلوماً كيف يمكن لهذه المتاجر والمكتبات العودة إلى ممارسة عملها الاعتيادي متى ما انقشعت ظلمة وباء كورونا. وهذا ما دعا "جمعية الناشرين في بريطانيا" إلى المطالبة بضرورة دعم الكتاب، وخاصة في متاجر الكتب الصغيرة، وإلا فإن تجارة الكتاب ستخسر كثيراً على مستوى الناشر والكتاب والقارئ. والأمر عينه حدث مع "جمعيات دور النشر الأميركية"، التي حذّرت من موت تجارة التجزئة في مجال النشر، وطالبت الحكومة الأميركية بتقديم الدعم لها.

الناشر العربي، وبالنظر إلى ظرف أقطار الوطن العربي الصعب والقاسي، يعاني أساساً مشكلات مالية كبيرة، مما جعل تأثره بجائحة كورونا يبدو مزلزِلاً. فلقد توقفت تماماً أعمال الكثير الكثير من المكتبات العربية، وبات موظفوها يعانون الحجر والحاجة معاً، وليس هناك أي إشارة إلى إسعافهم في الوقت الحاضر، باستثناء انتظار الإذن لهم بمعاودة أعمالهم، وحتى لو تمّ ذلك ضمن الوضع الحالي، فأظنه لن يسعفهم كثيراً بسبب وضع الإنسان العربي المربك مالياً واجتماعياً، وتوفر الكتب المسروقة بعيداً أي ملكية فكرية، على موقع إلكترونية كثيرة. لذا يبدو عقد مؤتمر للناشرين العرب ضرورة ملحة، لاتخاذ الإجراءات المهمة، والانتهاء إلى توصيات، قد تساعد في إنقاذ صناعة الكتاب، إن لم نقل الإبقاء عليها في أحسن الأحوال.