كان مشوار الراحل زكي رستم الفني قد انطلق في بداية العشرينيات لكنه في نهاية الستينيات قرر الابتعاد عن الساحة قهرا لا اختيارا، رغم كل النجاحات التي حققها، ليموت بعدها بسنوات قليلة (15 فبراير 1972 عن عمر يناهز 69 عاما) وكأن التمثيل هو المعادل الوحيد للحياة بالنسبة له.

ولكن لماذا قرر الابتعاد عن المهنة التي عشقها وضحى من أجلها بالكثير، حيث عاش وحيداً معزولاً عن الجميع، من دون عائلة تدعمه وتشد من أزره، أو زوجة تؤنس وحشة الأيام وأبناء يكونون له سندا في أواخر العمر، لماذا إذن هجر الفن والتمثيل رغم النجاحات التي حققها على مدى مشواره، تاركا لنا أدواره المتفردة التي أشاد بها الجميع لعل آخرها دوره في فيلم "الحرام" لهنري بركات 1965 وهو الفيلم قبل الأخير في مشواره الفني والذي نال عنه إشادات كثيرة إيجابية كانت كفيلة بأن تدفعه للاستمرار على الساحة لسنوات، لدرجة أن البعض وصفه بأعظم أدواره رغم ما سبقه من إبداعات.

Ad

وعلى سبيل المثال لا الحصر، كتب الناقد كمال رمزي عن أدائه في هذا الفيلم: "وكما كان زكي رستم دائما أستاذا في التعبير عن أكثر الظلال تداخلا وتعقيدا في أحراش النفس البشرية، استطاع أن يجعلنا نرى وبوضوح أبعد المناطق غورا في الكائن البشري من خلال شخصية فكري أفندي مأمور الزراعة في فيلم (الحرام) لبركات، والتي تعايش معها زكي رستم بشكل كامل كبير، في ملامحه العابسة المتعبة المتجهمة التي تتماشى مع ملابسه (كان حريصا دوما على اختيار ملابس شخصياته بنفسه) القديمة المتربة والتي يبدو كأنه لم يغيرها من شهور، وإذا كانت مهمته مراقبة عمال التراحيل، إلا أنه وفي واقع الأمر ينتمي لهم بشكل أو بآخر، وفي مشهد غني بالمعاني أثناء عملية البحث عن المرأة الخاطئة التي وضعت اللقيط الميت يكتشف حقيقتها، إلا أننا فجأة نشعر وكأن إشعاع رحمة دب في كيانه وعروقه يطلب من مأمور الزراعة أن يحسب لها (اليومية) وهو يغطي جسمها المنهك بشال".

وهذا الدور كما أشرنا ليس الوحيد في مشواره الذي لاقى كل هذا التقدير فلقد أبدع في تجسيد عشرات الأدوار وابتعد بها عن النمطية، فلماذا إذن قرر الابتعاد عن عشقه الخاص "التمثيل"؟

اعتزال

رغم أنه كان حريصا طوال مشواره على الابتعاد عن الصحافة تماما، إلا أنه في نهاية الخمسينيات انتشرت شائعة تفيد بأنه اعتزل التمثيل فاضطر للجوء إلى الصحافة لنفي هذه الشائعة تماما، خصوصا أنها ربطت بين كبر سنه وقرار الاعتزال، حيث أدلى بأكثر من تصريح من بينها حوار نشر بمجلة الكواكب في سبتمبر من عام 1953 استنكر خلاله شائعة اعتزاله وقال الراحل ثائرا: "هل تراني أسير بعكاز؟، ظهري مقوس؟، مركب طقم أسنان؟ حاجة غريبة قوي، ثم واصل: "هل تعلمون كم عمري؟ أنا أصغر من كل ممثلي الجيل القديم، ومن يتحداني يبرز شهادة ميلاده الرسمية، أنا مازلت زكي رستم بتاع زمان، ولو ضربت واحد قلم بإيدي مش بالعصايا لازم يموت مش يتعور بس، واسألوا عني فريد شوقي وهو ممثل شاب مليء الحيوية، أنا لما أمثل أمامه وأدوس على إيده يقول لي حاسب يا زكي (أنا مش حملك)، كما أن هناك نجوماً كباراً في السينما العالمية مازالوا يقدمون إبداعاتهم مثل غاري كوبر، كلارك غبيل وشارلي شابلن وغيرهم".

هذا الكلام يؤكد أن زكي رستم كان مازال قادرا على العطاء، كما يؤكد من خلاله علاقته بالتمثيل ومدى عشقه له للحد الذي يدفعه إلى الخروج عن صمته، وكسر القطيعة الصحفية لنفي أي أقاويل تتعلق باعتزاله والذي تحقق بالفعل بعد سنوات من انطلاق هذه الشائعة، خصوصا أن آخر أعماله السينمائية كانت فيلم "أجازة صيف" 1966 للمخرج سعد عرفة (والد المخرج شريف عرفة وعمرو عرفة) أي قبل رحيله بست سنوات.

المؤكد، كما حكت ابنه أخيه الإعلامية ليلى رستم، أن الراحل لم يكن يرغب في اعتزال الفن، ولكن السينما التي عشقها وتفرغ تماما لها هي التي "تغيرت" سواء صناعها أو الأجواء المحيطة بها، لهذا فضل الانسحاب في هدوء قهرا لا اختيارا، وهو ما يمكن تلمسه من خلال الحوار الذي ثار فيه على أحد الصحفيين قائلاً: هي فين السينما أصلاً؟ فين هم المخرجين؟ أنا كفاية عليّ أن مجلة "لايف" قالت إن زكي رستم أحسن ممثل في الشرق، وفي نفس الحوار نفى أيضا اعتزاله الناس، مؤكدا أنه يحرص على زيارة الأصدقاء الذين بدورهم يحرصون على زيارته.

ما لا يعرفه البعض، كما أكد كل من عرف الراحل زكي رستم، أن قائمة أصدقائه ومعارفه كانت محدودة جدا، وتحديدا الأصدقاء الذين ارتبط بهم في بداية مشواره مثل الراحل عباس فارس، عبد الوارث عسر وسليمان نجيب، ومع رحيلهم أغلقت الأقواس على الكتب فقط بوصفها الصديق الآمن والمضمون، كما أن ثقافة الفنان تساعده على التميز، كما صرح الراحل في أحد حواراته.

أشهر عازب

لم يتزوج زكي رستم بل كان حريصا على أن يبتعد بحياته الخاصة عن أي أضواء و"نميمة"، إلا أن بعض المجلات الفنية في الثلاثينيات وأوائل الأربعينيات ربطت بينه وبين الفنانة بهيجة حافظ نظرا لأنه كان القاسم المشترك في كل أفلامها الأولى مثل "زينب"، "الضحايا"، "ليلى بنت الصحراء"، و"ليلى البدوية"، وراحت الشائعات تروج لوجود هذه العلاقة رغم أن بهيجة كانت متزوجة الفنان محمود حمدي الذي كان شريكها في الإنتاج.

من جانبه لم يهتم رستم بما تردد وتجاهله تماما، خصوصا أن معظم الكتابات الصحافية في تلك الفترة كانت ممهورة باسم المحرر فلا يعرف من وراءها، وربما هذه "النميمة" الصحافية هي السبب وراء عزوفه عن الصحافة تماما، اللهم إلا فيما ندر، فلقد كان بطلا ناجحا يشار له بالبنان ومن ثم كان مرشحا دائما في الأفلام بدليل أنه شارك عزيزة أمير (المنتجة والمخرجة أيضا) فيلمها "كفري عن خطيئتك"، وأعمالا أخرى كثيرة مع نجوم آخرين.

وفي نفس الحوار الذي نفى فيه زكي رستم اعتزاله التمثيل يبدو أن المحرر قرر أن يقتنص الفرصة ويفتح صندوق زكي رستم الأسود فسأله بشكل واضح وصريح حول سر عدم زواجه، فأكد الراحل أنه تفرغ للتمثيل في سن صغيرة جدا، وتحديدا بعدما أنهى دراسته الثانوية، لهذا كان حريصا على أن يثبت أقدامه على الساحة وراح ينهل من منابع الفن بنهم وشغف فانشغل بعمله عن الحب والزواج، وبعدما استقرت أوضاعه بدأ يفكر في الزواج والاستقرار وبحث بالفعل عن الزوجة الصالحة التي تتوافر فيها كل المواصفات التي يرتاح لها، إلا أنه لم يصادفها للأسف، ومرت السنوات وفاته قطار الزواج.

أما عن الحب والمغامرات العاطفية، فلم ينكر الراحل أنه كانت له "غزواته" ومر بالفعل بتجربتين من خارج الوسط الفني كما اعترف في حواره، الأولى هجرها غير آسف عليها بسبب "الغيرة" حيث كانت تتعمد أن تثير غيرته وكانت تسعد بأن تتبادل الحوارات مع أي شخص رغم انها كانت تحبه جدا كما اعترف الراحل زكي رستم في هذا الحوار.

وإذا كانت "الغيرة" وعدم حرص الطرف الثاني على احترام العلاقة بابن "الباشوات" الذي كان صارما وجادا حتى في علاقاته العاطفية، فلم يرضيه سلوك فتاته العابث ورغبتها في أن تثير غيرته دائما وأبدا، لذا أنهى علاقته بها ومن دون تردد رغم أنه كان يرى حبها يغمره إذا ما جمعته "جلسة شاعرية"، لكنه أسقط في يده وأنهى العلاقة لأنه أدرك أنه سيعيش حياة تعيسة جدا معها بسبب هذه التصرفات.

أما عن تجربته الثانية فيعترف الراحل زكي رستم بأن المصادفة هي التي جمعته بهذه الفتاة الجميلة الطيبة، وأنه بالفعل أحبها جدا ولكنه للأسف لم يستطع الزواج منها بسبب الفروق الطبقية رغم أن علاقته بها استمرت 8 سنوات، ورغم تأكيده أنه لا يعترف بهذه الفروق الاجتماعية الا أن واقع الأمر أنه لم يستطع الدفاع عن اختياره، فلم يكن من الممكن أن يتصادم مع عائلته مرة أخرى وأن يضرب بالتقاليد عرض الحائط، ومن يومها أغلق رستم قلبه وقرر أن يتفرغ للفن وأن يعطيه كل اهتمام وجهد.

وهكذا تنتهي هذه الحكايات التي جاءت على لسان زكي رستم لتنفي ما سبق وتردد من أنه أحب فتاة من طبقة الأرستقراطية، ومن جانبها بادلته الحب الجارف، إلا أن عائلتها رفضت هذا الزواج لأنه يمارس مهنة لا تلقى قبولا في الأوساط الأرستقراطية، وأمام رفض عائلتها لم تجد الفتاة أمامها إلا الانتحار، لذا قتله الحزن على حبيبته وأغلق باب قلبه وعاش ما تبقى من عمره مخلصا لحبها.

وقد حكت الإعلامية ليلى رستم أن شقيقات الفنان الراحل عرضن عليه أن يرشحوا له زوجة تقاربه في العمر تشاركه وحدته، إلا أنه رفض الفكرة تماما، مؤكدا أنه عاش عمره كله وحيدا ولا يمكنه في هذا العمر قبول فكرة أن تشاركه امرأة حياته، مؤكدا أن قرار الزواج لو لم يتخذ في فترة مناسبة فلن تنجح التجربة أبدا، خصوصا في ظل ظروف عمله كممثل التي تتطلب منه أن يقضي فترات طويلة خارج المنزل، وأن يصحو وينام في أوقات غريبة باختصار وعلى حد كلامه "مش حجيب بنات الناس ابهدلها معايا".

وهكذا فشلت تجارب زكي رستم العاطفية التي اعترف بها، وربما التي لم يبح بها، ومن جانبه يبدو أنه كان رافضا لفكرة الزواج الفني على الرغم من تقديسه للفن، بدليل أنه رفض أن تمتهن ابنة أخيه الإعلامية ليلى رستم الفن، رغم تجاربها المتميزة والتي قدمتها على مسرح الجامعة الأميركية بالقاهرة، وحرص زكي رستم على حضور هذه الحفلات وأثنى عليها بالفعل، لكنه ضغط على والدها ووالدتها بضرورة أن تبتعد عن الفن تماما.

تحكي ليلى رستم قائلة: "زيارته لنا كانت حدثا مهماً جدا وكان يحرص على أن اكون موجودة بانتظاره رغم انني كنت أتأخر لأداء بروفات المسرحيات التي كنا نقدمها في الجامعة، ويومها كانت الصحافة تكتب مانشيتات من نوعية (ابنة زكي رستم فاتن حمامة جديدة)، و(جينات التمثيل في الجامعة الأميركية)، وعندما كان يقرأ هذه العناوين كان ينزعج بشدة".

وتواصل رستم قائلة:" للأسف ذكرياتي معه كلها محملة بالعتاب والتأنيب بقسوة، ومع كل زيارة لنا كنت أتلقى "كورسات" تهذيب وإصلاح وعتاب لأبي وأمي لأنهما لا يتدخلان لمنعي من ممارسة هوايتي، او نشاطي الجامعي، كان دائما غاضبا مني، بينما كنت أحرص على تأمله لأقوم بتقليده فيما بعد، كان يخشى بالفعل أن أحترف التمثيل وأن يجرفني التيار فتبدأ التنازلات، مؤكدا لوالدي أنه بدأ مشواره مع الفن كهواية ثم "قلبت الحكاية جد"، وذات مرة دعاه والدي ليشاهدني وأنا أجسد دور جدة في مسرحية من فصل واحد تدور فكرتها حول صراع الأجيال، ويروى والدي الذي كان يجلس بجواره أنه لم يتعرف علي في بادئ الأمر بسبب الماكياج، وعندما اكتشف وجودي ظل يتابعني في صمت وبعد انتهاء العرض اضطر لأن يصفق لي مع الجميع، ووقف يرد باقتضاب على أسئلة الصحافيين قائلاً رحمه الله" أيوه أيوة كانت كويسه، حاسة بالدور كويس".

وهكذا كان زكي رستم ضد أن تعمل ابنة أخيه بالفن حتى أنه قال لشقيقه "ازاي تسمحوا لها، البنت المفروض تتجوز على 18 سنة"، ما يجعلنا نسأل كيف كان يقدس الفن ويحترمه بل ضحى من أجله بالكثير، وفي نفس الوقت رفض أن تربطه به أي علاقة، حتى ابنه أخيه حرص على أن يقف أمام طموحها الفني والذي تحول لاحقا إلى الإعلام، والغريب أنها لم تجرؤ على استضافة عمها في برنامجها الناجح والمتميز "نجمك المفضل".

التكريم

في عام 1962 منح الزعيم جمال عبد الناصر الفنان الراحل زكي رستم وسام الجمهورية للعلوم وقد علق يومها الراحل زكي رستم على هذه الجائزة : "كان أعظم يوم في حياتي يوم أن دق جرس الهاتف في منزلي وأخبروني بأنني حصلت على هذا التكريم، ويوم أن نودي اسمي وقمت لتسلم التكريم من الرئيس عبد الناصر والجميع يصفقون لي، كان يوما لن أنساه وأنا أسلم على الرئيس الذي كرمني على مشواري الفني".

ما ذكره الراحل ينفي تماما ما سبق أن تردد من أنه كان في خصومة مع نظام عبد الناصر بسبب دخول الكثير من أراضيه في الإصلاح الزراعي، وأنه حاول أن يوسط الفنان أحمد مظهر بحكم صلته بالضباط الأحرار للإفراج عن أملاكه ولكن تم رفض طلبه، وتردد أنه تعرض شخصيا لمشاكل بسبب هذا الموقف.

المؤكد أن زكي رستم كان حريصا على أن يبعد حياته الشخصية عن الأضواء، ولا يشارك بآراء سياسية في أي من القضايا، وفي سنواته الأخيرة وبعدما ابتعد عن الأضواء بسبب اصابته بضعف في السمع جعله لا ينتبه إلى تعليمات المخرجين، وبالأخص في آخر أفلامه، أغلق عليه بيته خصوصا أنه كان يرفض استخدام السماعات الطبية والتي تظهر للعيان، إذ لم تكن صناعتها قد تطورت كما هي الآن، وكان يحتاج من يكلمه لأن يرفع صوته مما دفعه للابتعاد عن التمثيل والناس أيضا، وكلما اشتد عليه المرض زاد اعتكافه، لم يكن يؤنس وحدته غير خادم عجوز يحتاج هو الآخر لمن يرعاه، لا يزوره إلا أشقاؤه فقط والذين تناوبوا على رعايته حتى رحيله في 15 فبراير عام 1972.

الوسواس

كان الفنان الراحل زكي رستم مريضا بداء «الوسوسة» أكثر من الموسيقار الراحل محمد عبد الوهاب، حيث كان يحمل معه دوما زجاجة عطر يطهر بها يده اذا ما لمست أي شيء أو حتى صافح شخصا ما، وعندما بات خادمه غير قادر على تلبية معظم احتياجاته، ومن ثم اضطرته الظروف لتناول طعام الغداء كان يتعامل مع مطعم معين في منطقة وسط البلد بالقرب من منزله لا لأن طعامه مميز، ولكن لأن صاحبه كان يسمح له بدخول المطبخ للإشراف بنفسه على إعداد وجبته والتأكد من نظافة كل شيء.