كثر السجال في الأسبوعين الماضيين حول مشكلة السيولة في المالية العامة لدولة الكويت، وطرق تمويلها، وطرح بعض أعضاء مجلس الأمة والناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي والصحافة العديد من الحلول المنطقية وغير المنطقية لحل المشكلة... لعل أبرزها: "هل نصدر ديناً عاماً أم نسحب أو نقترض من احتياطي الأجيال القادمة؟".

واتفق الكثير على أن الحل يجب أن يكون الأقل تكلفة بين الخيارين، لكن العموم شكك في قدرة الدولة على إدارة الدين، وفي قدرتها على تطبيق إصلاحات اقتصادية جادة على المديين المتوسط والطويل، كما شكك البعض في قضية وجود عجز فعلي من عدمه.

Ad

المشكلة الأساسية التي تواجهها الحكومة الكويتية هي مشكلة سيولة، والحل يكمن في كيفية تأمين السيولة الكافية لتمويل مصاريف هذه السنة المالية، وهي المشكلة ذاتها التي تواجهها النرويج في ميزانية 2020.

لقد حققت النرويج فوائض مالية في ميزانيات آخر 15 سنة، ولم تحتج إلى الاقتراض، إلا أنها تتوقع تحقيق عجز يبلغ 2.5 في المئة من الناتج القومي في سنة 2020، بسبب تداعيات وباء كورونا. ولتمويل هذا العجز المتوقع أعلنت النرويج طرح دين عام يبلغ نحو 8 مليارات دولار أميركي.

يعلم الجميع أن النرويج لديها أكبر صندوق سيادي في العالم، والذي تم تشغيله في سنة 1996 بهدف تنويع إيرادات الدولة غير النفطية، إلا أنها فضلت إصدار دين عام على سحب مبلغ العجز من الصندوق. اختيارها لإصدار الدين العام مبني على ثلاثة عوامل رئيسية؛ الأول انخفاض تكلفة الاقتراض مقارنة بالعوائد المحققة على صندوقها السيادي، والثاني يتمثل في التزام الحكومة بالحدود التي وضعها البرلمان والتي تنص على ألا تتجاوز المبالغ المحولة سنوياً من الصندوق السيادي للميزانية العامة نسبة 3- 4 في المئة من قيمة الصندوق، حفاظاً على أموال الأجيال القادمة، والعامل الأخير يتمثل في وجود مساحة للاقتراض.

الدين العام للنرويج في نهاية سنة 2019 بلغ 38.5 في المئة، علماً بأنها لم تتجاوز نسبة 58 في المئة كدين عام من الناتج المحلي، وأغلبية الدين هو محصلة لديون قديمة مضى عليها أكثر من 20 سنة.

تتكون إيرادات ميزانية النرويج من النفط بنسبة 20 في المئة، ومن إيرادات الضرائب والرسوم بنسبة 80 في المئة، ومن ثم تقوم المالية بتحويل كامل إيرادات النفط بعد خصم تكاليف الإنتاج الى الصندوق السيادي. وكخطوة أخيرة يقوم الصندوق السيادي بتعويض الفرق في الميزانية من حساب الأرباح النقدية على الأسهم والسندات المملوكة له، بنسبة لا تتجاوز 3 في المئة من قيمة الصندوق السيادي.

منذ سنة 2001 عملت النرويج جاهدة على تنمية حجم صندوقها السيادي، لكي تتمكن من استبدال إيراد النفط بإيراد الاستثمار، فمنذ بداية الصندوق غيّرت النرويج سياستها الاستثمارية عدة مرات، والملاحظ أنها زادت من استثماراتها ذات المخاطر المرتفعة بشكل مدروس، بهدف تحقيق عوائد مرتفعة وتنمية حجم الصندوق بشكل متسارع، لكي يتمكن من تلبية احتياجات الدولة المالية في المستقبل، فمثلاً في سنة 2007 زادت نسبة الأسهم في المحفظة من 40 إلى 60 في المئة، وأضافت شركات small cap المعروفة بربحيتها، وفي 2012 خصصت 10 في المئة من رأسمال الصندوق للأسواق الناشئة. سياسة النرويج الاستثمارية دعمت سياستها المالية والهادفة إلى تقليل الاعتماد على النفط كدخل.

تستمد الكويت قوتها من احتياطي الأجيال في أوقات الشدائد والأزمات، كما يعكس هذا الصندوق تدبير الكويت وحصافتها في التخطيط والادخار للمستقبل، لذلك على الحكومة جاهدة الابتعاد عن السحب من هذا المصدر، الذي يعتبر صمام أمان وخط مواجهة أمامياً لأي أزمات مستقبلية، كما عليها وضع جدول زمني لأهم الإصلاحات الاقتصادية التي ستتبناها لتقليل الضغط على الميزانية ولتنويع مصادر الدخل.

ليس هذا فحسب، بل على الحكومة أيضا التخطيط لاحتياجاتها المالية في المستقبل، والتخطيط لكيفية تطويع استراتيجيتها الاستثمارية الحالية لخدمة سياستها المالية في المستقبل؛ تماماً كما فعلت النرويج!

*قسم التمويل والمنشآت المالية جامعة الكويت