ربما هل هلاله ليكون فسحة ما بين بين، أو هو فتح كوة في باب كان يبدو لكثيرين وكأنه قد أغلق إلى الأبد.

مع هلاله عرف الكثيرون أن البقاء في البيت ليس دائما كارثة، وما لم يستطع الفيروس أن يقنعهم به استطاع شهر رمضان أن يقوم بذلك ربما، هل لأنه غيّر نمطاً كان قد تحول إلى روتين قاتل لمدة شهر أو أكثر حسب أي مدينة؟ أم لأنه خلق حركة في البحيرة التي بدأت تركد بعض الشيء و"زهق" الكثيرون من مشاهدة "نتفلكس" أو لعب الورق أو الطبخ والأكل المستمر، وأسقط في يد الجميع "ما الذي نستطيع أن نقوم به في ظل الحجر المنزلي"؟ دخل هو شهر جديد بملامح لا تشبه سابقاته من الأشهر، فقد تغيرت الأجواء وراحت كل وسائل التواصل تعيد تكرار تلك الأغاني القديمة التي ارتبطت به، أو حتى ما استجد من محاولة لتحديث التراثي والتماشي مع "الهشك بشك" والموسيقى الصاخبة والكلمات التي لا يعرفها كثيرون ممن هم أكبر من الأربعين عاما.

Ad

تنافست المحطات لسرقة المشاهدين للمسلسلات التي تقدمها وهي كثيرة كثيرة، وتنفس الكثيرون الصعداء، فقد يخف صراخ برامج "التوك شو" ونرتاح من هذا وذاك رغم أن بعضهم رفض المغادرة، فغير بعض جلده وعاد ليسرق تلك المساحة منغصا على الصائمين مساءاتهم الرطبة بجو ربيعي لا يعرفه الملتزمون بمنازلهم إلا من خلف النوافذ ومع نشرات الأحوال الجوية، زخات المطر لم تبخل على الهلال في أول أيامه لتعلن فسحة بين مزدوجين.

كثرت إعلانات الأكل كعادة الجميع في هذا الشهر، ولكنه يهل هذا العام وقد سبقه شهران من الاجترار الذي لم يتوقف ووصفات الطبخات على الإنستغرام، ولم تختفِ طبعا "الشحادة" المعتادة من قبل الجمعيات الخيرية المتربعة على العرش، أصيب الكثيرون بدوامة متلازمة التناقضات على شاشات العرب.. امرأة تقول إنها لن تستطيع أن تصنع الفتوش لعائلتها لأنه يكلف أكثر من 20 دولاراً والحد الأدنى للأجور هو 150 دولاراً، وأخرى تغري الصائمين بأصناف من هنا وهناك، تلك المرأة تتخلى عن طبق رئيس على مائدة الإفطار وأخرى تصور مطبخا فخما ومائدة ملوكية اصطفت عليها أطباق لا يحلم بها جياع العالم، والمحزن أن كثيراً منها سينتهي في سلة القمامة.

وإذا كان سعر الخضار الذي يزرع في أرضنا هكذا فما بالك بالمواد الأخرى التي تستورد بأجمعها، فبعض بلداننا حولت مزارعها إلى مجمعات سكنية، فقطعت الشجر من جذوره، وأغلقت المصانع بالشمع الأحمر، وتحولت إلى دول "تأكل مما لا تزرع، وتلبس مما لا تصنع" كما قال جبران وأكمل... فويل لأمة.

كان ذاك المدرب المتحمس يردد على مجموعة من نساء الجنوب اللبناني "عندما تغزوكم العولمة ستباع لكم ربطة الزعتر بثلاثة دولارات بينما كانت تنمو عند أبوابكم"!

كل هذا لا يهم، لا يهم أبداً الآن كل الهم على السؤال المكرر "ماذا سنطبخ للإفطار؟" ومن بعده أي مسلسل أو مسلسلات سنحضر؟، ثم و"ماذا عن السحور؟". لم تكتفِ المحطات بالمسلسلات التي تنوعت بين الساقط والمتوسط والأقل من المتوسط! ولكن ازدحمت المحطات ببرامج المسابقات وفي مجملها ثقيلة ظل ومصطنعة، كما كثير من البرامج الخفيفة.. لا نعرف ما السر في أنه في رمضان "يستظرف" معدو البرامج والممثلون والممثلات حتى يسقطوا في مستنقع السقوط المدوي في المضمون والتمثيل.

الوجوه النسائية مهمة للمسلسلات طبعا، فهي تروج لها أكثر من المضمون والحوار والحبكة، دعكم من كل ذلك فالحبسة في البيت تركت كثيرين بعيدين عن الوجه الحسن، فكان أن أنقذتهم المسلسلات بنساء كثيرات لا علاقة لهن بالتمثيل، ألم تتحول المرأة عندنا وعند العالم منذ سنين إلى "سلعة" للتسويق والترويج، وحتى لا يتذمر الرجال فقد أصابهم الداء أيضا وتوجه لهم المنتجون يبحثون عن كثير من الوسامة أو ربما عند بعضهم "الصياعة".

انحطاط الذوق كفيروس كورونا انتشر منذ سنين بين المسلسلات الرمضانية، ففي حين كان جميع أفراد العائلة يتحلقون حول التلفزيون بعد الإفطار لمشاهدة مسلسلات تاريخية محبوكة كسيرة بعض الشخصيات التاريخية المؤثرة أو التغريبة الفلسطينية أو "رأفت الهجان" أو كل ما كتبه المبدع أسامة أنور عكاشة أو حتى مسلسلات الحب والرومانسية الناعمة كملمس الحرير، كل ذلك تبخر وتحول الى حوارات من كلام أقل ما يقال عنه إنه بذيء، وكثير من القتل والدم و"المطاوي" والخيانات وضرب الزوجات وكل نساء العائلة من قبل رجال متسلطين، حتى أنه لو خرج سي السيد من قبره للعنهم وتبرأ هو والعبقري نجيب محفوظ من فهمهم لدور الرجل في مجتمعات منغلقة.. رغم كل ذلك فإنه قد يكون رمضان فسحة ما بين حبستين!!

* ينشر بالتزامن مع "الشروق" المصرية