طوال أكثر من 40 عاماً عاش الفنان زكي رستم تحت الأضواء، لكن ظلت حياة زكي محرم محمود رستم الخاصة لغزاً غير مسموح الاقتراب منه، علاقته بالجميع تنتهي تماماً بمجرد خروجه من المسرح أو الاستديو، فلم يضبط طوال عمله بالفن مدعواً إلى حفلة أو سهرة، فقط بعض الودّ والاحترام جمعه بالراحلين سليمان نجيب وعبدالوارث عسر وعباس فارس، صداقته الوحيدة للكتاب الذي كان يمضي بصحبته أوقاتاً طويلة امتدت معظم ساعات اليوم في سنواته الأخيرة، بعدما ابتعد قهراً لا اختياراً عن التمثيل عشقه الوحيد، حتى على مستوى الأهل فإن عدداً محدوداً جداً منهم هو الذي سمح له باقتحام "صومعته" بعمارة يعقوبيان الشهيرة وسط القاهرة، التي عاش فيها وحيداً لا يؤنس وحدته إلا خادمة وكلبه الوفي.

فلمَ اختار هذه العزلة ومارسها بصرامة شديدة؟ هل كان يعاقب نفسه لتمرده على تقاليد أسرته الأرستقراطية والطريق الذي رسمته له سلفاً ليصبح من رجالات السياسة والمجتمع؟ وهل فعلاً كان يعيش حياته معذباً يعاني جرحاً لا يندمل وعقدة ذنب ظلت تطارده بعدما اختار التمثيل وتمرد على عائلته؟ فلم يستكمل دراسته ما تسبب في إصابة والدته إصابه بليغة جعلتها غير قادرة على الحركة، ومن ثم سكنه الهم والغم ولم يفارقه الحزن، خصوصاً بعدما بات شخصاً غير مرغوب فيه بين أبناء طبقته التي كانت تنظر إليه باعتباره "مشخصاتي".

Ad

على الجانب الآخر، كان "الباشا" زكي رستم يعيش على هامش الوسط الفني الذي قرر بوعي كامل الانتماء إليه، يضع عشرات الحواجز بينه وبين زملائه من الفنانين ويتعامل معهم بحساب، فهل انتماؤه لهذه الطبقة "الأرستقراطية" وراء عدم قدرته على الاندماج وسطهم؟ مما فسره البعض في إطار التعالي والغطرسة.

ماذا عن حالة "الفصام" تلك هل عاناها فعلاً؟ وهل تركت آثارها علي حياته وامتدت لفنه، أم أنه كان يتحرر منها ومن كل القيود وهو "يشخص" و...؟ أسئلة كثيرة نحاول الإجابة عنها في هذه الحلقات.

من أول نظرة

في حي الحلمية أحد أرقي الأحياء التي كان يسكنها البشوات والأثرياء في تلك الفترة، وعلى مساحة شاسعة بلغت خمسة أفدنة، شيد اللواء محمود باشا رستم أحد قادة الجيش المصري قصره الضخم والذي كان يعيش فيه مع زوجاته الثلاث وأبنائه الأربعة عشر.

كان القصر يضم حوالي 50 غرفة، ويعج بالخدم والجواري، وبطباخين وسفرجية ومربيات مصريات وأجنبيات، وفي هذا القصر رزق محرم بك محمود رستم السياسي المحنك وأحد أكبر المزارعين بمحافظة المنوفية (كان يمتلك 1600 فدان) بابنه الثاني زكي في الخامس من مارس عام 1903، من زوجته أمينة هانم عبدالرازق سليم فهمي، قبلها بسنوات كانا قد رزقا بابنهما الأكبر وجيه الذي انخرط في العمل بالسلك الدبلوماسي بعد أن أنهى دراسته في مدرسة الحقوق، كما رزقا أيضا بعائشة ثم خديجة وأخيراً عبدالحميد الذي درس بإنكلترا وأصبح مهندساً.

كان والد زكي من الأعضاء البارزين في الحزب الوطني، وصديقاً شخصياً للزعيم مصطفى كامل ومحمد فريد، كما ربطته الصداقة أيضاً بالشيخ سلامة حجازي وعدد من الفنانين المشهورين في ذلك الوقت، لذا أرجع البعض تعلق زكي رستم بالفن تأثراً بوالده الذي كان يتردد على مسرح الأزبكية وعماد الدين، وفي بعض الأحيان كان يصطحبه لمشاهدة العروض المسرحية التي داعبت شيطان الفن داخله فدأب على تقليد أجزاء منها وهو طفل صغير مازال في المرحلة الابتدائية، إذ كان يستغل فرصة سفر والده إلى "العزبة" للإشراف على أرضه فيأمر زكي الخدم بجمع الموائد في بدروم القصر ليصنع منها خشبة مسرح، ثم ينظم المقاعد ليحظى في النهاية بصالة عرض يقدم عليها العروض التي شاهدها مع والده أو تلك التي كان يرتجلها أمام إخوته وأولاد أعمامه وطاقم الخدم والسفرجية والعاملين بالقصر، حتى انه كان يستعين ببعضهم لمساعدته في بعض الأدوار، إلى أن أفشت سره إحدى المربيات فكان نصيبه وصلة تأنيب قاسية من والدته مع التهديد برفع الأمر لوالده وجده.

وفي الحوارات القليلة التي كانت قد أجريت مع الفنان الراحل زكي رستم اعترف كيف لعبت هذه العروض دوراً رئيسياً في تعلقه بالفن بشكل عام، حتى أنها دفعته لقراءة مسرحيات أخرى كانت متوفرة في مكتبة المدرسة، إذ لم يجرؤ على شرائها خشية افتضاح أمره، مشيراً إلى أنه في تلك الفترة لم يكن واعياً بأن ما يمارسه من تقليد للمشاهد أو تعلقه بقراءة المسرحيات خطوة نحو الطريق الذي سيختاره لاحقاً، خصوصاً أنه كان قد بدأ فعلياً يتعلق برياضة رفع الأثقال التي حظيت بتشجيع أسرته ونجح بالجهد والمثابرة في أن يحتل مكانة متميزة بين أقرانه وفاز فعلاً بلقب بطل مصر الثاني في حمل الأثقال في النصف الأول من القرن الماضي.

أما اللحظة التي أدرك فيها نجمنا الراحل روعة الإحساس بالفن، وبدأ يتذوق طعم الأداء المسرحي كما حكى عنها في أحد حواراته الصحافية، فكانت عندما استعان به المدرس المشرف علي فريق التمثيل في المدرسة الخديوية الثانوية التي كان طالبا فيهاً، إذ قرر أن يسند له دور بطل رياضي في عرض مسرحي، ومن جانبه وافق زكي بل تحمس أيضاً ولسبب لا علاقة له بالفن، بل بالرياضة وحبه لها وبالأخص رفع الأثقال التي برع فيها، خصوصاً أن هذه الفرصة ستتيح له استعراض عضلاته أمام الجمهور بما يرضي غرور الفتى الوسيم مفتول العضلات.

وفي اعترافاته الصحافية أكد الراحل زكي رستم أن التدريبات على الدور على الرغم من صغر مساحته، ومتابعه توجيهات المدرس وشرح طرق مختلفة للأداء ومجمل التفاصيل الخاصة بالعملية الإبداعية كلها جعلته يتعلق بهذا العالم وبشده، وكأن طاقة نور قد فتحت أمامه فوجد نفسه مشدوداً لا يقدر على المقاومة، عالم جديد جذبه فقرر الدخول إليه خصوصاً بعدما لاقى أداءه استحسان وقبول الجميع وفي مقدمتهم أستاذه.

القرار

منذ هذه اللحظة أصبح زكي رستم الطالب في البكالوريا (ما يعادل الثانوية العامة الآن) مشغوفاً بهذا الفن، فارتبط أكثر بفريق التمثيل بالمدرسة، كما حرص على مشاهدة العروض المسرحية وبالأخص فرقة جورج أبيض بعدما أعجب بشخصيته المهيبة وحضوره الطاغي على خشبة المسرح، وبدلاً من الاهتمام بكتبه المدرسية أصبح مولعاً بقراءة المسرحيات والدوريات الثقافية التي تتناول كل ما يخص الحركة المسرحية.

وبينما كان مأخوذاً بهذا العالم، مشغوفاً فيه، توفي فجأة والده محرم بك رستم بعد صراع قصير مع المرض، فحزن الفتى الوسيم مفتول العضلات زكي رستم حزناً شديداً أبعده عن عالم الفن الذي كان قد شغفه واستحوذ على كل اهتمامه، وفي تلك الفترة بيعت "سرايا الحلمية"، واختارت والدته أن تنتقل بأسرتها الصغيرة فيلا بحي الزمالك شارع الكامل محمد، ورغم أن العائلة فقدت عائلها لكن وضعها المالي لم يتأثر فلقد ترك والد رستم لأولاده وزوجته ثروة كبيرة كانت تضمن لهم العيش في نفس المستوى الاجتماعي والمادي من دون تغيير.

وبصعوبة تجاوز زكي أحزانه على والده، وتدريجياً استعادته نداهة الفن مجدداً، وبدأ يبحث عن مكان يمارس من خلاله هوايته، وعن طريق صديق الطفولة الفنان سليمان نجيب انضم لإحدى فرق الهواة والتي كان نجيب عضواً فيها، ويوماً بعد يوم كان يزداد تعلقاً بالفن خصوصاً مع الاستحسان والتقدير لموهبته الذي كان يستشعره ممن حوله.

تعلق زكي بالتمثيل قابله استهجان واعتراضات متكررة من والدته التي كانت بالطبع غير مرحبة بهذه "الهواية" على حد وصف زكي، فيما اجتهد من جانبه في تجاوز أي صدامات مع ربة الأسرة التي لم تتخيل أن هذه "الهواية" قد استحوذت على تفكير ابنها وملكت عليه كل حياته ، حتى كاد يهمل دروسه بسببها لولا شدتها واحترامه وحبه لها.

وسط هذه الأجواء المشحونة بالتوتر تمكن الفتى من الحصول على شهادة البكالوريا التي تؤهله للالتحاق بالجامعة، وكشأن الكثيرين من أبناء طبقته "الأرستقراطية" كان عليه اختيار الكلية التي يواصل من خلالها تعليمه العالي كباقي طبقته الراقية الطامحين في تولي مناصب مهمة تتناسب وأوضاعهم الاجتماعية والمادية أيضاً، إما الالتحاق بالمدرسة الحربية ليصبح ضابطاً في الجيش مثل جده، أو سلاح البوليس، مدرسة الحقوق ليعمل بالمحاماة أو ينخرط في سلك القضاء أو السلك الدبلوماسي، باختصار كانت أمامه خيارات عديدة ومتنوعة بما يضمن له مستقبلاً "محترماً" لا يقل عن أي فرد من طبقته، خصوصاً أن أخاه الأكبر وجيه كان قد شق طريقه للعمل في السلك الدبلوماسي بسفارة مصر بفرنسا.

لكن الفتى المتمرد مفتول العضلات زكي رستم كان قد حسم قراره بالتفرغ لعشقه الوحيد التمثيل الذي بات أقوى لديه من أي طموح آخر، لم يكن مستعداً للتخلي عن حلمه أو التراجع عن قراره تلبية تقاليد عائلته العريقة التي لا تسمح أبداً لأي من أبنائها بأن يتخذ من التمثيل حرفة أو حتى هواية، يضاف أنه في العشرينيات من القرن الماضي لم تكن هناك مدرسة يتعلم فيها التمثيل أو يدرس من خلالها المسرح كما كان يحلم ويخطط، وحتى لو كان الأمر متاحاً لرفضته أسرته رفضاً باتاً وقاطعاً.

وتحكي الإعلامية الكبيرة ليلى رستم عن صدمة جدتها أمينة هانم من قرار عمها الفنان زكي رستم التفرغ للتمثيل، إذ قالت الجدة مستنكرة "معقول حفيد رستم باشا وابن محرم بك تبقى نهايته أراجوز"، هكذا كانت ترى فيمن يعمل بالتمثيل "مجرد أراجوز" حتى أنها خافت علي نجلها الأصغر عبدالحميد (والد ليلى رستم) من أن يتأثر بشقيقه زكي رستم الذي أصابه "فيروس" الفن، فقامت "بشحنه" لإنكلترا وهو في سن الثانية عشرة حتى يستكمل تعليمه هناك.

وهكذا فشلت أمينة هانم في إقناع ابنها بالعدول عن قراره، لا بالترهيب ولا بالترغيب، استدعت كل العائلة في محاولة لثنيه عما عزم عليه، ولكن دون جدوى فلقد تمسك زكي بقراره رافضاً حتى فكرة الجمع بين الدراسة وممارسة الهواية، إذ كان يريد التفرغ التام للمسرح، غير أن الأم الصارمة لم يعجبها "الحال المايل" خصوصاً بعدما بدأ زكي يعود للمنزل في ساعة متأخره من الليل، بل وفي أحيان أخرى مع النسمات الأولى من الصباح ، لهذا أسقط في يدها فخيرته بين أن يتخلى عن التمثيل نهائياً أو يترك البيت للأبد، معللة هذا القرار بأن "سلوكه المنحرف" من شأنه التأثير على فرص شقيقاته في الزواج نظراً إلى أنه شخص "فلتان و أراجوز".

لم تتخيل أمينة هانم وهي تلقي بآخر "كروت الضغط" أن ابنها الذي عاش عمره كله يقدرها ويحترمها ولا يجرؤ على إغضابها أبداً، يمكن أن يضرب عرض الحائط بكلامها ويحزم أمتعته وكل متعلقاته ويغادر المنزل وبالفعل يستأجر شقة في عمارة يعقوبيان أحد أشهر العمارات بوسط القاهرة والتي سكنها عدد كبير من المشاهير، تلك الشقة التي ظل فيها حتى آخر يوم في عمره.

ورغم أن صدمة رحيل زكي رستم عن منزل العائلة تسببت في إصابة والدته بالشلل فلم تستطع الحركة حتى آخر لحظة في عمرها، فإنه لم يتراجع عن قراره، بل واصل طريقه في محاولة لأن يثبت للجميع أنه كان محقاً في انحيازه لموهبته، التي من أجلها قدم كل هذه التضحيات ، صحيح أن "الباشا المستبد" أعرب لاحقاً عن ندمه لأنه كان سبباً مباشراً في مرض والدته كما أكدت ابنه شقيقه الإعلامية ليلى رستم، لكنه يتحمل نتيجة اختياره رغم قسوته بل واصل طريقه الذي اختاره بوعي وحب.

فكيف نجح في أن يصبح واحداً من أهم ممثلي السينما المصرية ؟

زكي رستم... ناقداً

رغم أن زكي رستم لم يدرس التمثيل دراسة أكاديمية، فإنه حرص على تطوير موهبته الفطرية وتثقيف نفسه مما ساعده على تطوير أدواته، بل كان حريصاً على أن يفيد غيره بخبرته التي اكتسبها من خلال بعض الكتابات النقدية التي دأب على نشرها في مجلة الصباح وتناول فيها سلبيات الحركة المسرحية مثل التسرع في إنتاج الأعمال المسرحية بكم كبير، وهو الأمر الذي لا يتيح الفرصة لإجراء بروفات كافية

وإتقان كل ممثل دوره حتى أنه انتقد زميلته الفنانة فردوس حسن نجمة المسرح القومي عن دورها في مسرحية توسكا مؤكداً أنك لو سألتها هل كان حبها عذرياً صادقاً أم شهوانياً فإنها لا تدري جواباً، لعدم فهمها لطبيعة الدور الذي قدمته، كما انتقد عدم مراعاة الكفاءة في اختيار الممثل لدوره مثل الفنانة روز اليوسف التي أسند لها دور لا يناسبها في إحدى المسرحيات، كما انتقد أسلوب الترجمة الذي كان سائداً في ذلك الوقت حيث يشترك أكثر من شخص في ترجمة النص مما ينتج عن ذلك نص مشوه لا معنى له، ومقالات أخرى كثيرة كانت مثار جدل بين الجميع كما سببت حرجاً للبعض مما دفعه للتوقف عنها.