يشهد العالم أجمع اليوم أزمة عالمية ممثلة بالفيروس المستجد كورونا covid-19، والذي تسبب بدوره في إحداث قوة قاهرة force majeure تسببت في وقف تنفيذ العقود، بل ربما فسخها لاستحالة التنفيذ impossibility of implementation. ولم تكن العقود وحدها هي التي تأثرت بوقف تنفيذها أو فسخها، بل الأمر على أشده يشهد انهيار النظام الرأسمالي الفردي capitalistic system وهشاشته في مواجهة الأزمات. إن مقتضيات الضرورة تدعو لتبني الناحية المقابلة والمتمثلة بفكرة المسؤولية الاجتماعية للشركات corporate social responsibility. وتعرف المسؤولية الاجتماعية للشركات كأحد مبادئ الحوكمة corporate governance بأنها التركيز على أهداف اجتماعية تنعكس غالباً على أداء الشركات على الأمد البعيد long-term value. ومن هذا المنطلق فهي أكثر ارتباطاً بفكرة أصحاب المصالح منها من نظرية الملاك وتعظيم الأرباح wealth maximisation على المدى القصيرshort-term run. ويعرف أصحاب المصالح stakeholders بأنهم كل من ارتبط بالشركات وأثر أو تأثر في عملية صنع القرارات الاستثمارية. وعلى ذلك فأصحاب المصالح هم المساهمون، الموظفون، الموردون، المقرضون والمجتمع كله كما يعرفها العالم الأميركي Edward Freeman.

إلا أن الملاحظ لدينا في الكويت، أن الكثير من الشركات الكبرى مازالت لم تضطلع بدورها في المسؤولية الاجتماعية. ولا غرابة في ذلك، فالمشرع الكويتي لم يوجه تلك الشركات إلى أهمية هذه المسؤولية بل لم يلزمها بذلك في حالات الطوارئ والأزمات، وربما أقول تأثراً بالمشرع البريطاني الذي صدر للعالم أجمع النظم الرأسمالية وأفكار Adam Smith، والتي جمعها في مؤلفه ثروة الأمم The Wealth of Nations، والتي انعكست بشكل جلي على المشرع البريطاني، واعتقد، أكرر أعتقد، أن المشرع الكويتي لم يتأثر بها بل اقتبسها اقتباساً تشريعياً، نظرا لحداثة التجربة الكويتية في عالم قانون أسواق المال في قانونه الذي أقر 2010 ولائحته التنفيذية 2015. ويبدو تأثر المشرع الكويتي جلياً في هذا الاقتباس، حيث إنه اقتبس الترتيب لقانون city code 1968 المنظم لعميات الاستحواذ والاندماج في المملكة المتحدة. واقتباسه لفكرة العرض الإلزامي mandatory offers وأسلوب التدابير الاحترازية ضد عروض الاستحواذ الهجومية defensive measures against hostile takeovers. إلا أن المشرع الكويتي، كما سبق القول، لا يلام في هذا الشأن، فحداثة التجربة في أسواق المال من جهة، ومن جهة أخرى لسعيه في جذب المستثمرين الأجانب في ظل رؤية الكويت 2035 دعته إلى تبني تحرير الأسواق لكونها تمثل عامل جذب مهما incentive لهؤلاء المستثمرين. كذلك ربط الكويت بالشبكة العالمية من الدول، والتي ارتبطت باتفاقيات الاستثمار، التي تتجه أكثر إلى تحرير الأسواق من دون وجود ثمة قيود إلا في القليل النادر مع تأثير المركز الدولي للتحكيم ICSID، والذي يدعو إلى ضرورة الالتفات إلى الدور الخاص للاستثمارات الخاصة.

Ad

وتقوم فلسفة المشرع البريطاني في هذا السياق، والتي اقتبسها بدوره المشرع الكويتي، على أفكار تحرير الأسواق Market liberalisation، والتي تعني عدم تدخل الدولة بالكامل في قرارات السوق وجعله يتحكم بنفسه وعدم التحكم في الأسعار بالتالي. الأمر الذي يقودنا، بالضرورة، إلى سيطرة كبار المستثمرين، وتسليط جشعهم ليتحكم في السوق، والاتجاه أكثر نحو ممارسات احتكارية.

والميل أكثر تجاه المساهمين المؤسسيين institutional investors والذي بدوره لا يعطي أي أهمية كبرى للأرباح بعيدة المدى والمتمثلة هنا «بواجب المسؤولية الاجتماعية». ويعرف التركيز على المدى القصير short-termism بأنه السلوك المبالغ فيه للاتجاه أكثر إلى تحصيل الأرباح قصيرة الأجل، فكبار المساهمين والمستثمرين سيمارسون ضغطهم على مجالس الإدارات للتركيز أكثر على الأرباح قصيرة الأجل، وهذا يعطيهم مرونة أكبر، إما بالبقاء في الشركة وتنمية محافظهم الاستثمارية investment portfolio، ومن ثم الخروج من الشركة وفقاً لتقلبات وتغيرات الأسعار. وهو ما بدوره لا يتلاءم وطبيعة الغرض من المسؤولية الاجتماعية للشركات، التي تهدف إلى خلق فرص استثمارية على المدى البعيد من خلال تركيز سلوك وأداء الشركات أكثر نحو الأهداف الاجتماعية.