شهدت الأيام الماضية الكثير من الحراك السياسي الذي أنتج المشهد الذي نحن عليه الآن، وكعادة اللاعبين السياسيين التقليديين في العراق الذين ظلت تصرفاتهم غير واضحة، فإن نهاية فيلم الإثارة لم تكن معروفة وظلت مفتوحة على كل الاحتمالات، وذلك على الرغم من أن التغيير نفسه أمر لا مفر منه.

في حين أنه من غير الممكن استقراء مستقبل العملية السياسية في العراق، فإنه يمكن للمرء إجراء استنباط حول شكلها العام من خلال الحاضر، وعلى وجه الخصوص، كشف التعيين المتنازع عليه مؤخرًا لعدنان الزرفي لمنصب رئيس الوزراء في أعقاب استقالة عبد المهدي والترشيح الفاشل لمحمد علاوي لهذا المنصب، عن بعض الحقائق المحددة حول المشهد السياسي العراقي، وعلى الرغم من أن الجيل القادم الذي سيشكل النخبة السياسية الجديدة للعراق لم يتقرر بعد فإن من المؤكد أن البلد يشهد تغييرا في الأجيال الحاكمة، وإن فشل وتراجع النخبة الحالية في العراق- التي شكلها ماض سياسي لم يعد مناسبًا في عراق ما بعد 2003- هو نتيجة تبدو أكثر وضوحا يوما بعد آخر على المسرح السياسي العراقي.

Ad

أولا وقبل كل شيء، أصبح من الواضح أن ما كان يعرف (سياسياً) بالبيت الشيعي يعاني التشظي، ليس بسبب خلافات مصلحية فحسب بل بسبب غياب القيادة الكارزمية عن المشهد السياسي، حيث كشف كثير من قادة هذا البيت أنهم ما زالوا يعيشون في عقلية المعارضة المسلحة، وأن كلْ ما تعلموه من تلك الحقبة هو القتال لا السياسة، وهنا تكمن المفارقة فمعظم قادة هذا البيت ترعرعوا في الحضن الإيراني، ورغم تغنيهم المستمر بالسياسة والدهاء الإيرانيين وبالبراغماتية التي يتمتع بها مدربوهم لكنهم فشلوا في تقليدهم وأصروا على عقلية المغالبة في المغنم والمناكفة في المغرم.

باستثناء الكرد، أظهرت أعضاء الطبقة الحاكمة التقليدية في العراق بعد سبعة عشر عاما من الحكم، أنهم لم يتمكنوا بعد من الاستغناء عن تعليمات الخارج للمضي في صنع قرارات الداخل، وهذا نابع أساسا من تآكل شرعيتهم الشعبية، حتى تلك القوى التي كانت تتمتع بتأييد شعبي واسع في الوسط الشيعي (كالدعوة والمجلس الأعلى والصدريين) شهدت تآكلا كبيراً في شعبيتها، لقد بات واضحاً أن العامل الخارجي كان الرابط بين مختلف مكونات البيتين الشيعي والسني، وعندما قل تأثير ذلك العامل، لأسباب خارجية وداخلية تفتتت تلك الكتل ولم تعد تشكل كتلةً مفيدة.

إن حالة الإنكار أو العجز عن قراءة حقائق الوضع الحالي فضلاً عن انخفاض زخم الانتفاضة جعل هؤلاء الساسة يتوهمون أنهم مازالوا قادرين على توجيه سياسة العراق حسب مصالحهم الضيقة، وعوضاً عن استغلال الظروف التي خفّفت من زخم الانتفاضة لكي يستعيدوا بعضاً مما فقدوه، عادوا لممارسة المسرحية القديمة ذاتها متناسين غياب المُخرج والجمهور الذي تعودوا عليه سابقاً.

من جانب آخر، يشهد العراق الآن صعود جيل شاب أقل محافظةً وأكثر ليبراليةً نشأ في ظروف العراق الحالية ولم يتعود الرعاية الخارجية مقابل تمسك جيل الشيوخ الذين تربوا في الخارج على عقلية الرعاية والولاية الخارجية، إن هؤلاء السياسيين أجبرتهم تجربة المعارضة لنظام صدام على التقوقع والانغلاق السياسي والاجتماعي والديني والفكري للمحافظة على أمنهم يبدون عاجزين عن إدراك هذا التغيير الحاصل في الأجيال

هذا الفشل الذي واجه الحرس القديم للنخبة السياسية بعد 2003 حفز على صعود جيل جديد من أحزاب السلطة عاش معظم ممارساته السياسية بعد تغيير النظام لا قبله.

هذا الجيل الجديد يمتاز بتجربة الانفتاح على كل أطياف المجتمع من جهة والانفتاح على العالم نتيجة السفر ووسائل الاتصال من جهة أخرى، وهو ما لم يكن متاحاً للحرس القديم، وتتميز مواقف هؤلاء العراقيين من الشباب أيضا بخبرتهم السياسية النابعة من حقبة ما بعد صدام في العراق. لذلك، بدأ هؤلاء الشباب ينتقدون علناً الفشل الذي تسبب فيه جيل الشيوخ ويحاول تصحيحه لكن من داخل النظام، وبدأ بشكل منفصل الجيل الأصغر من خارج النخبة بتنظيم نفسه كقوة متماسكة، مستفيداً من تجربة خمسة أشهر من التظاهر والتنسيق لإدامة زخم الانتفاضة.

لذا يتبلور الآن تنافس جديد بين الجيل الثاني من معارضة صدام الذي يريد التصحيح من داخل النظام (كما هي الحال مع تيار الحكمة) وبين جيل الانتفاضة الذي يريد هدم الأسس والقواعد التي قام عليها نظام الحكم الحالي.

في الوقت نفسه، تشكلت السياسة العراقية منذ عام 2014 أيضًا من خلال صعود للحركة الشيعية المسلحة الراديكالية والقوية، فقد استثمرت القوى الشيعية الراديكالية المدعومةً من إيران ظروف احتلال تنظيم "داعش" لمناطق واسعة في العراق لتبسط نفوذها على الساحة السياسية العراقية مستفيدة من الانهيار الذي أصاب الدولة وقواتها المسلحة من جهة، ومن فتوى الجهاد الكفائي من جهة أخرى.

وقد عززت هذه القوى الشيعية المسلحة سطوتها على السلطتين التشريعية والتنفيذية بعد انتخابات 2018 التي شهدت تزييفاً واسعاً وعزوفاً كبيراً للناخب العراقي، كما ساهم الأداء السيئ للمبعوث الأميركي ماكغورك والأداء الممتاز لقاسم سليماني في تعزيز تلك القوة الشيعية المسلحة من خلال تعيين الرئاسات الثلاث بمباركة إيرانية.

بذلك تحولت هذه القوى لممارسة دور صانع الملوك، حتى سياسيو السنة والكرد أدركوا أن أي خروج عن النص الإيراني سيجعلهم يفقدون مناصبهم، إلا أن الأداء السيئ لحكومة عبد المهدي وفشلها في التعامل مع انتفاضة الشباب العراقي وضع هذه القوى المسلحة ومن ورائها إيران في مواجهة مباشرة مع قوى الشعب المنتفضة التي باتت تراها أداةً للنفوذ الإيراني ولعدم السيادة العراقية، وطبقاً لآخر الاستطلاعات فإن نسبة العراقيين الشيعة الذين يرون في إيران شريكا موثوقا انخفضت إلى أدني مستوى منذ عام 2003 لتصل إلى 15 % تقريبا كما انخفضت أرقام شعبية الفصائل المسلحة وقياداتها إلى أدني مستوياتها منذ عام 2014.

والغريب في الأمر أن إيران، الداعم القوي لهذه القوى المسلحة أدركت عمق التحولات الحاصلة في المشهد العراقي خصوصاً بعد غياب سليماني عن ذلك المشهد، في حين أن تلك القوى مازالت تعيش بعيدة عن الواقع، وفي زيارته الأخيرة لتوحيد الصف الشيعي، اجتمع السفير الإيراني في بغداد ايرج مسجدي بمدير المخابرات (الكاظمي) الذي طالما اتهمته بعض الفصائل الشيعية المسلحة بالعمالة ليرسل لتلك الفصائل رسالة واضحة بضرورة تغيير سياستها وقراءة الواقع الجديد للعراق، لكن تلك القوى حتى الآن تحاول عدم إرسال أي رسالة توحي بمرونتها، فمنذ تعيين الزرفي رئيساً للوزراء– وهو منصب متنازع عليه الآن من قبل مجلس القضاء الأعلى العراقي– حاولت تلك المليشيات، دون رضا إيران، أن تؤدي دور المفسد لاتفاقات الشراكة المعطِّل الذي أداه تيار الأمل في لبنان لسنوات عديدة بعد أن فشلوا في دور صانع الملوك.

إن من غير المنصف القول أن الشيعة فشلوا في حكم العراق كما نسمع دوماً، فمن فشل هم ساسة العراق بعد 2003 ، وهؤلاء نتيجةً لظروف النشأة والحكم باتوا غير قادرين على الإمساك بدفة العراق وصار مرسوم تقاعدهم ينتظر توقيعه فحسب، وإن جيلاً جديداً من العراقيين (شيعةً وسنةً وكرداً) قد اجتاز مرحلة المراهقة وسيتسلم مقاليد الأمور في بضع سنين، وسواءً كان هذا الجيل يحظى بموافقة الحرس القديم أم لا، وبغض النظر عما ما كان هذا الجيل هم من الصف الثاني للقوى الحاكمة حالياً أو من جيل شباب الانتفاضة، فإن التاريخ السياسي للعراق سيؤرخ لمرحلة ما قبل الانتفاضة وما بعد الانتفاضة في قاموسه الجديد.

منقذ داغر *