عند الأزمات تكتشف المجتمعات نفسها، وتتمكن من معرفة نقاط ضعفها وقوتها، ويبدو أن الأزمات عندنا في الكويت تقوي المجتمع ولا تضعفه. كان ذلك حالنا أيام الغزو، واجهنا الغزاة بصدور عارية، بلا حكومة، فقد كانت في الخارج، ونزلنا للشارع دفاعاً عن الوطن بلا مِنّة. لم نكن نعلم حينها إلى أي شيء أو كيف ستؤول الأمور، ولكن لم تكن هناك خيارات إلا المواجهة، وقرّرنا عن وعي عدم الخروج من البلاد، وأُسر منا من أسر، واستشهد منا من استشهد... هكذا كان. تلك الأزمة القاتلة لمدة سبعة أشهر أجابت عن سؤال، وهو كيف كان بالإمكان لمجتمع كان منقسماً أفقياً، ببعد طائفي حاد، أن يتجاوز بمراحل الطرحَ الطائفي الحالي، وذلك بسبب تداعيات الحرب العراقية - الإيرانية، وعمودياً، بتناقض حاد مع السلطة لحلها المجلس وتعليقها الدستور منذ 1986 ، وتصادم القوى الشعبية مع الحكومة بـ"الحركة الدستورية"، أو ما عرف بديوانيات الاثنين؟! نتج عن تلك الأزمة أن عاد العمل بالدستور، وإن كان ضمن مجموعة من النقائص، كما تراجعت حدة الاحتقان الطائفي إلى حد بعيد؛ لم تنته ولكنها تراجعت، فالكثير من مسبباتها تؤثر فيه أوضاع إقليمية.

لم نتعلم كثيراً من الغزو، الذي كان فرصة تاريخية لإغلاق العديد من الملفات، كان أهمها تعزيز الحريات وتقوية الديمقراطية، وإعادة هيكلة الاقتصاد، وكان من أهمها أيضاً قضية البدون. بل تسبب التراخي، والاستئثار بالسلطة، والفساد، وضعف القوى السياسية وقصورها ديمقراطياً؛ فهي حالما صارت أغلبية بمجلس فبراير 2012 تراكضت لإصدار قانون إعدام المسيء غير الدستوري- في دخولنا بنفق طويل لا نهاية له، وتوالت الأزمات، التي تتحملها الحكومة، لكونها تحمل مفاتيح القوة، ولا يعفى منها سياسيون.

Ad

وتمر البلاد الآن بأزمة جديدة، تختلف في مكوناتها عن أزمة الغزو، ولكن أجواءها مشابهة، وبالذات أولئك الذين عايشوا الغزو من أمثالي وتعرضوا للأسر. أبرز مواطن التشابه، هو تحول التصدي لكورونا غير المرئي إلى قضية وطنية، تماسك فيها المجتمع وتضافرت فيها الجهود الشعبية مع الجهود الحكومية. هذا الإحساس يعيدنا إلى ذات الفكرة الكلية لا الجزئية، لنعيد التفكير بإمكانية إغلاق ملفات مفتوحة ضاعت في الزحام. ومن أهم تلك الملفات قضية البدون والسجناء والمحكومين واللاجئين السياسيين بالخارج، وقضية التركيبة السكانية، وانخفاض أسعار النفط، بالإضافة إلى قضية الإسكان، فكيف يمكث بالبيت من لا بيت له! هل بالإمكان البدء في بحث هذه القضايا وإغلاق ملفاتها بما يخدم الوطن واستقراره وأمنه؟ فـ"كورونا" ذاهب آجلاً أم عاجلاً، وعلينا أن نستعد لما بعده.

شاهدنا خلال هذه الحقبة، أداءً حكومياً متميزاً في مواجهة فيروس كورونا، هذا الأداء الذي ربما يُعيد الثقة المفقودة عند الناس بالحكومة، وهي تحتم العمل على إغلاق الملفات أعلاه، وإغلاقها يتطلب إرادة وقراراً، فهل يحدث ذلك؟ أم أننا نحلم؟ وهل الكلام واقعي؟ فإن كان كذلك؛ فمن يعلق الجرس؟