لا شك في أن «صدمة فيروس كورونا المستجد» ستكون لها آثار اقتصادية سلبية كثيرة من الصعب معرفة حجمها، قبل السيطرة على انتشار الفيروس السريع. إن ما شاهدناه خلال الأسابيع القليلة الماضية من تقلبات حادة وانخفاض في البورصات العالمية، ومنها سوق الكويت للأوراق المالية تجاوزت 30 في المئة خلال فترة قصيرة، لدليل على حالة الهلع والخوف، التي تجتاح العالم نتيجة لحالة اللايقين عن أبعاد التداعيات السلبية لهذه الصدمة.

إن «التوقف المفاجئ للاقتصاد العالمي»، كما يعبر عنه الاقتصادي المعروف د. محمد العريان وغيره من المحللين نتيجة للإجراءات، التي اتخذتها الحكومات مثل إغلاق الحدود والمطارات وتعليق الرحلات الجوية وسياسة التباعد الاجتماعي، وغير ذلك من الإجراءات، للحد من انتشار الفيروس أدخل العالم فعلياً في مرحلة من الركود الاقتصادي.

Ad

فتشير توقعات المحللين إلى انخفاض نمو الاقتصاد العالمي برقم مزدوج في الربع الثاني والثالث من هذا العام، وربما رقم أقل في مطلع العام القادم، قبل أن يعود العالم إلى نشاطه المعتاد ويسترجع الاقتصاد العالمي عافيته. وحتما فإن لهذ الركود تأثير سلبي على الطلب على النفط وأسعاره، وبالتالي على إيراداتنا النفطية.

ولا شك في أن هذه الأزمة تسترجع في الأذهان الأزمة المالية في عام 2008، التي أدت الى الركود الاقتصادي آنذاك. لقد كانت تلك الأزمة، ودون الخوض في تفاصيلها، أزمة مالية، أصابت القطاع المالي بالدرجة الأولى، ولم تؤد إلى ما نشاهده من شبه توقف للنشاط الاقتصادي، فكان علاجها في «ضخ الأموال»، إن جاز لي التعبير، عن طريق السياسات المالية التي اتخذتها الحكومات وسياسات التيسير الكمي، التي اتخذتها البنوك المركزية.

ولا يختلف الوضع لدينا في الكويت حيث توقف الكثير من الأنشطة الاقتصادية، وأغلقت المجمعات التجارية، وتوقفت حركة الطيران وفرض حظر تجوال جزئي، وساهمت حالة عدم اليقين وانعدام الطمأنينة بشكل كبير على إضعاف ثقة المستهلكين، لهذا فإن من الطبيعي إذاً أن يدخل الاقتصاد في حالة ركود اقتصادي يصعب معرفة أمده، وخاصة مع انخفاض الإيرادات الحكومية.

سرعة وديناميكية

إن تداعيات التوقف المفاجئ الكلي لأوجه النشاط الاقتصادي وخيمة، مما يحتم سرعة اتخاذ القرار والبدء في اتخاذ إجراءات عملية تتسم بالسرعة والديناميكية، وأن تكون موجهه تجاه أهداف محددة ونحو الفئات والأنشطة الأكثر تضرراً. ويجب ألا تتسبب في خلق مشاكل أخرى بعد زوال الأزمة، مثل الزيادة المفرطة في عجز الموازنة العامة، خاصة في ظل استمرار انخفاض أسعار النفط، وتدهور أسواق المال العالمية.

وحتماً سينادي البعض باتخاذ قرارات شعبوية سيكون ضررها كبيراً على الاقتصاد في المدى المتوسط والبعيد مثل «إسقاط القروض». كما سيتكسب البعض من غير المتضررين من هذه الإجراءات، فهذا أمر طبيعي، إلا أن ذلك لا يجب أن يثنينا عن اتخاذ القرارات الصحيحة للتحوط من التداعيات السلبية وإعادة عجلة النشاط الاقتصادي وإجراء الإصلاحات الهيكلية لاستدامة النمو بعد زوال الخطر، فالتردد في اتخاذ القرار سيكون مكلفاً جداً.

وليس بالضرورة أن تكون الإجراءات مماثلة لتلك التي تتخذها الدول الاخرى، وأن تعطي نفس المردود الاقتصادي عندنا. فبعكس معظم الدول الخرى فإن معظم القوة العاملة الكويتية تعمل في القطاع الحكومي وتقدم الحكومة الدعم «دعم العمالة» للعاملين في القطاع الخاص، فبالتالي ليس هناك خوف من انقطاع الراتب لهم، أضف إلى ذلك مجانية العلاج والفحص التي تشمل الجميع.

ثلاث مراحل

‏وكي تكون الإجراءات ناجعة وفاعلة في التعامل مع هذه الأزمة، علينا أن نقسم تطبيقها على ثلاث مراحل، لكل مرحلة أهداف وإجراءات محددة تختلف مع نوعية وطبيعة كل مرحلة عن المراحل الأخرى.

1- مرحلة التحكم في انتشار الوباء: وهي المرحلة الآنية التي نحن فيها، حيث يجب أن تهدف الإجراءات في المقام الأول إلى بث الطمأنينة، بين جميع مكونات المجتمع والتحوط من تبعات توقف العديد من الأنشطة الاقتصادية والحد من آثارها السلبية ودعم الإجراءات الوقائية واستمرار تدفق الغذاء والدواء وضروريات الحياة واستمرار الأنشطة الضرورية، التي تساهم في استدامة المجتمع.

وهذا ما عبر عنه خطاب صاحب السمو أمير البلاد، حفظه الله ورعاه، جلياً في بيان ذلك؛ «ندرك تماماً خطورة هذا الوباء، وقد وجهت سمو رئيس مجلس الوزراء باستنفار أجهزة الدولة وإمكاناتها لحماية سلامة وصحة الإنسان في الكويت: مواطناً أو مقيماً أو زائراً، على حد سواء، فهي أمانة في أعناقكم».

وما تقوم أجهزة الدولة المختلفة به من جهد جبار للوقاية من انتشار هذا الوباء وتوفير مستلزمات العيش الكريم يستحق المؤازرة والثناء والإعجاب. أضف إلى ذلك ما قام به البنك المركزي من إجراءات؛ منها خفض الفائدة بهدف دعم الاقتصاد الوطني، مما سيعزز انسياب التدفقات النقدية بين القطاع المصرفي والقطاعات الاقتصادية المختلفة، ويخفف من وطأة الآثار السلبية على الاقتصاد.

بالإضافة الى هذه الإجراءات فإن أحد أهم الإجراءات الفورية المطلوبة هو إيجاد آلية لتقديم الإعانة للعاطلين عن العمل من الكويتيين، ولمن فقد مصدر رزقه من البدون وعمالة الأجر اليومي والعاملين في القطاعات الاقتصادية المتأثرة بسبب توقف النشاط الاقتصادي. وهؤلاء هم الحلقة الأضعف في تماسك المجتمع، فهناك ما يقارب مليون شخص يعمل في قطاع الإنشاءات وتجارة التجزئة والجملة والمطاعم، وأغلبهم من غير الكويتيين. إن تقديم العون سيساهم في الوقاية والحد من الإصابة بالفيروس، فكثير من هذه العمالة يقطن في مساكن جماعية تفتقر إلى أبسط متطلبات الوقاية الصحية، وكثير منهم لا مصدر دخل له غير قوته اليومي، وهنا لابد من مشاركة القطاع الخاص والمجتمع المدني في هذا الأمر، والتي بدأت بالفعل، فشكراً لهم.

ومن الضروري أيضا أن يساهم القطاع الخاص في مساعدة أصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة من خفض أو تأجيل لدفع الإيجارات، وعلى الدولة بالتعاون مع المصارف إيجاد آلية للحصول على التمويل الميسر أو جدولة للديون لتغطية جزء من التكاليف التشغيلية.

ومن الضروري على أصحاب العقارات من شركات وأفراد أو مؤسسات أن يبادروا إلى خفض الإيجارات أو إعفاء جزء منها والمحافظة على نظافة عقاراتهم وصحة المستأجرين.

ويجب ألا ننسى في هذه المرحلة ضرورة الموافقة على:

• إصدار «قانون الإعسار المالي»، لمواجهة تعثر الأفراد وبعض الشركات وتسهيل إعادة هيكلتها أو تصفيتها. لقد ظهرت الحاجة الماسة له خلال أزمة 2008 المالية. وبسبب مثالب القانون الحالي، اضطرت الدولة الى اصدار قانون تعزيز الاستقرار المالي في 2009. فليس بالضرورة أن تنجح وتستمر كل الشركات أو كل المشاريع الصغيرة.

• قانون الدين العام لمواجهة العجز الكبير المتوقع في الموازنة العامة.

تأثير إيجابي

2- مرحلة السيطرة وبدء عودة الحياة الطبيعية: يجب أن تكون الإجراءات في هذه المرحلة موجهة لإعادة تشغيل عجلة الاقتصاد وانتشاله من حالة الركود، على أن تكوزن الإجراءات موجهة لقطاعات لها تأثير إيجابي على النمو الاقتصادي ودعم ثقة المستهلكين وزيادة القوة الشرائية، عن طريق تنازل الدولة عن بعض إيراداتها من الرسوم، ومنها على سبيل المثال فواتير الكهرباء والماء، كما عمل في السابق، وغيرها من الإجراءات الموجهة وتوجيه الإنفاق الحكومي الى القطاعات التي لديها مضاعف موجب وروابط متصلة في القطاعات المختلفة.

3- مرحلة انحسار الخطر: خلال هذه المرحلة يجب أن يتم اتخاذ إجراءات إصلاحية، والتي أهمها تعديل التركيبة السكانية ومحاربة تجار الإقامات وإلغاء نظام الكفيل ومحاربة الفساد، وغيرها من الإصلاحات الهيكلية التي تهدف الى استدامة النمو الاقتصادي، والتي أشبعت بحثا ودراسة، لكننا تأخرنا كثيرا في اتخاذها.

التعاون الجاد

إن نجاح الإجراءات الاقتصادية في التعامل مع «صدمة فيروس كورونا المستجد» يتطلب التعاون الجاد بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني، خاصة في ظل الانخفاض المتوقع في إيرادات الدولة، نتيجة لتدهور أسعار النفط وأسواق المال العالمية. والأهم من كل هذا أن نقوم بواجبنا كمواطنين للمحافظة على موارد الدولة ومد يد العون للمحتاج والاقتصاد في حياتنا، ونغير من نمط معيشتنا، فلربما تتكرر مثل هذه الصدمة مستقبلا.

* اقتصادي كويتي