على دقّات الطبول ينادي المنادي:

"يا أهل الإسلام، ليُعلِم الحاضر منكم الغائب والسامع منكم الغافل أن مولانا السلطان المعظم محمد الثاني، أيّد الله مُلكه، قد فتح الله عليه المدينة العاصية الكافرة (القسطنطينية)، وإنه دخلها على رأس جيشه الإسلامي المظفّر، وأمر أن يُطلق عليها من الليلة (إسطنبول)".

Ad

***

• والقسطنطينية هذه كانت تُسمى بيزنطة، لكنّ المؤرخ الغربي يخجل من ذكر اسم بيزنطة، وحتى الآن عندما يكتبونها في مدوناتهم يذكرون القسطنطينية، لأن بيزنطة كانت ولا تزال في أذهان الدارسين للحضارات أتعس ألوان الخلافات العقائدية. وليس من الغريب أن نقرأ في كتبهم أمثال هذه الجمل:

"حوار بيزنطي"؛ ويعنون به الجدل الديني الذي لا فائدة من ورائه سوى مزيد من التمزق.

وكذلك "تقاليد بيزنطية"؛ ويعنون بها أسوأ ألوان الممارسات الحياتية التي كانت تستحلّ كل المحرّمات وتجعل للغرائز والشهوات المنحطة الكلمة الأولى في العلاقات الإنسانية حتى وصلت في انحطاطها بين الأزواج والزوجات والآباء والأبناء والأمهات!

وهناك "قلاع بيزنطية"؛ والمقصود بها أنها تسقط في أيدي الأعداء مع أول هجوم!... لماذا؟ لأن حرّاسها كانوا يقيمون في غرف خاصة بالأسوار التي تحيطها، ويمارسون فيها - بلا رقابة - أبشع أنواع العلاقات الشاذة التي يعفّ القلم واللسان عن الإشارة إليها، حيث كانوا يعبّون من الخمر، فكانت هذه القلاع تسقط بسهولة في أيدي الأعداء، مع أنها – أي بيزنطة – كانت مشيّدة على أصول معمارية هندسية رائعة.

ثم هناك "منافسات بيزنطية"؛ حيث كانوا يقضون نهارهم وليلهم في منافسات ومباريات رياضية من كل لونٍ، وحركات غير كريمة، فصار بذلك شعار "منافسات بيزنطية" عنواناً على الغش والتدليس ورشوة القضاة والمحكّمين والمتنافسين أيضاً... باختصار كانت بيزنطة رمزاً لحضارة آن لها أن تنهار، وانهارت بالفعل.

***

• قبل أن ندخل في تفاصيل الوثبة الإسلامية التي ختمت أعمالها في تلك المنطقة بسقوط المدينة التي حملت ثلاثة أسماء: "بيزنطة"، ثم "القسطنطينية"، وأخيراً "إسطنبول".

نأتي على لمحة من تاريخ هذه المدينة التي لم يكن الأباطرة الرومانيون يهتمون كثيراً بأمرها، إلى أن جاء الإمبراطور قسطنطين، وكان بينه وبين بابا روما خلاف حول نقطة بالغة الأهمية، حيث كان البابا يقول:

- أنا صاحب السلطان في الأرض وظل الرب... كلمتي نافذة على كل رعايا الكنيسة بلا مناقشة، ويخضع لأوامري الناس جميعاً سوقةً ودهماء وأمراء وملوكاً وأباطرة، ومن يعصِ إرادتي حرمتُه من بركات الكنيسة، فيحلّ عليه غضب الرب في الدنيا وليس له في الآخرة غير جهنم.

• أما الإمبراطور قسطنطين فكان له رأي آخر:

- البابا رأس الكنيسة، ولا أحد يعترض على ذلك، وله وحده حق التفسير النهائي لكلمات الإنجيل، ولكن إلى هنا تقف سلطاته... السلطات الأرضية على الناس جميعاً لملوكهم دون سواهم.