يعيش الإنسان الحديث حالة من القلق الوجودي المزمن، وذلك على الرغم من التطور التكنولوجي وسهولة المعيشة أكثر من أي وقت مضى في تاريخ البشرية، فنلاحظ زيادة نسب الاكتئاب ومعدلات الانتحار بشكل كبير، وكذلك انخفاضاً حاداً في مؤشرات السعادة، لاسيما لدى شباب الجيل الجديد. حيث يعاني أكثر من 300 مليون شخص من الاكتئاب حول العالم، ويموت ما يقارب الـ800 ألف شخص في العالم عن طريق الانتحار سنوياً، وذلك وفقاً لمنظمة الصحة العالمية.

هنا نتساءل: ما سبب تعاسة الإنسان الحديث؟

Ad

بالطبع فإن هذه التعاسة "مركبة" حيث ساهمت في تشكيلها عوامل عدة، وذلك على مدة عقود متعاقبة منذ الستينيات تقريباً، وهنا أتناول بعض أهم هذه العوامل:

فككت الفلسفات ما بعد الحداثية اللغة والمعنى، وأعادت تشكيلهما، وأتتنا النظريات العلمية التي تؤكد نسبية الكون، بل حتى الوقت، فاكتسبت البشرية عمقاً وقدرة أكبر على تفسير هذا الكون الشاسع، ووقف الإنسان عاجزاً أمام عبثية هذا العالم وانعدام العدالة فيه، والمتمثلة بالحروب والاستعمار وظلم الضعفاء، مما سبب تبني العديد وجهة نظر عدمية سببها الشعور بالضياع وغياب القيمة أمام كل هذه العشوائية.

ازدادت موجة الفردانية وذلك بالتوازي مع القيم الرأسمالية الجديدة، فأصبح الإنسان معلباً معزولاً بلا نسيج اجتماعي، هو عبدٌ لوظيفته فحسب، يقضي نهاية أسبوعه في الانغماس في استهلاك مختلف المنتجات، فلا يملك الوقت الكافي لبناء علاقات متينة طويلة الأمد، لذا فإن الوحدة هي مرض العصر، وهنا قد نكون أفضل حالاً من الغرب بسبب الحفاظ على العلاقات الإنسانية وتقدير منظومة العائلة، وإن كانت بحاجة إلى بعض من الشفافية والتطوير.

كذلك فإن ابتعاد الإنسان عن ذاته وانغماسه بالملذات المادية أدى إلى ضعف فهمه لنفسه، فهو لا يدرك دوافعه ومحركاته ولا يراجع ذاته، بل يتخبط وحيداً في هذا الكون الشاسع بلا بوصلة داخلية، وربما أضعفت الرفاهية قدرته على تحمل الصعاب والوقوف مجدداً بعد خيبات الأمل.

وبغياب وجود شبكة داعمة حقيقية من العائلة والأصدقاء، وضبابية هوية الفرد نفسه، فإن الإنسان يصبح فريسة سهلة لمختلف الاضطرابات النفسية من قلق وتوتر واكتئاب، فيا لها من مفارقة مذهلة: فنحن نشعر بالوحدة على كوكب يتعدى سكانه الـ7 مليارات نسمة، أدمن الكثير منا شاشة الهاتف كمُسكّن للوحدة وكلنا ندرك أنه لا بديل للتواصل البشري، فيا لبؤس الإنسان الحديث!

لذا، فلابد للإنسان أن يخلق معنى ورسالة لوجوده، فلنا في الوجودية حياة! والطريق الأنسب لذلك هو اكتشاف شغفه والعمل على تطوير هذا الشغف إلى مساهمة إنسانية مجتمعية. في العمل شفاء، فلا شيء أكثر إشباعاً من الشعور بالعطاء والإنجاز.

إن هذا الشغف سيأخذك بعيداً فيصلك بمن هم على شاكلتك، وهكذا تبدأ رحلة بناء علاقات اجتماعية مبنية على التفاهم والرؤية المشتركة، ولا ننسى كذلك العامل البيولوجي (الحيوي)، فإن الالتزام بالرياضة والطعام الصحي وأوقات نوم محددة يساهم كثيراً في ضبط الهرمونات وتوازنها، مما يخلق صحة نفسية أعلى. يبدو أن للروتين فوائد جمة قد تفوق رتابته المتوقعة! لا يمكننا استبدال العلاقات البشرية بالشاشات، ولا يمكننا العيش سعداء دون هدف، فلنبدأ العمل الآن.

«من يعرف السبب الذي يعيش لأجله فسيستطيع تحمل العيش بأي طريقة.» (نيتشه)