"سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى...". (الإسراء 1).

اختلف العلماء في زمان رحلة الإسراء، فيرى بعضهم أنها في ربيع الأول، ويرى آخرون أنها في رجب، أما مكان الإسراء فكان من المسجد الحرام كما تنص الآية، ويقال إنه أُسري به من بيت أم هانئ بنت أبي طالب، وهذا يعني أن مكة كلها جزء من البيت الحرام، لقد كرم الله النبي وشرّفه بهذه الرحلة المباركة بعد عام الحزن، وهو العام الذي فقد فيه النبي أقرب اثنين لقلبه وأكثرهما دعما له، وهما السيدة خديجة زوجته وعمه أبو طالب.

Ad

وكان ذلك قبل عام من الهجرة، أي بعد البعثة بعشرة أعوام، وزاد من حزن النبي أن عمه مات كافراً، ويرى كثير من المحققين أن هذه التسمية أطلقها بعض العلماء المتأخرين، وأنها لم ترد في شيء من الأحاديث الصحيحة ولا الضعيفة، ولا من شيء من كتب السيرة وشروحها، لذلك يستبعد المحققون أن يكون الرسول هو من أطلق على ذلك العام بعام الحزن، ويستدلون على ذلك بـ"أن الرسول وصحابته مروا بمحن أكبر كهزيمة أُحُد وعدد الشهداء الذين استشهدوا في تلك المعركة"، فهو مطلوب منه الصبر والرضا بقدر الله، بعد ذلك خرج النبي في ذاك العام نفسه إلى الطائف ليدعو أهلها إلى دين الله بعد أن يئس من كفار قريش، فكان رد أسيادها قاسيا على النبي، وبعد أن طردوه من الطائف وحرضوا السفهاء والصبيان وتبعوه بالحجارة حتى أدموا قدميه، فازداد هماً وحزناً.

في ظل هذه الظروف جاءت رحلة الإسراء، ليكرم الله نبيه فيها، وليرى من آيات ربه الكبرى، ليزداد إيمانا بأن الله سينصر دينه، ولن يستطيع أحدٌ أن يوقف إرادة الله، ويرى المفسرون أن كلمة (سبحان) التي ابتدأت بها السورة، وهي اسم مصدر لكلمة تسبيح، تعني تنزيها وتعظيما لله، فمثل هذا الفعل العظيم لا يستطيع أن يقوم به أحد غير الله، كما يرى المفسرون أن قوله تعالى (أسرى بعبده)، ولم يقل بنبيه دلالة على أن كل البشر مهما علا شأنهم في هذه الحياة فهم عبيد لله، فلا يجوز تعظيم أحد غير الله.

وفي ختام المقال نود أن نشير إلى رأي بعض العلماء الذين يعتقدون أن الاحتفال بمثل هذا اليوم هو نوع من البدع، إذ لم يثبت من وجهة نظرهم أن النبي صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة من بعده ولا التابعين ولا أتباع التابعين قد جعلوا مثل هذا اليوم عيداً يُحتفل به، كما يصنع الناس في هذه الأيام، بل لم يرد أن أصحاب المذاهب الأربعة احتفلوا بها، والغالب كما يرى أصحاب هذا الرأي أن من ابتدع هذا الدولة العبيدية والذين حاولوا أن ينسبوا أنفسهم هم الفاطميون، نسبة إلى فاطمة الزهراء بنت الرسول، ويرى كثير من الباحثين أنهم ليسوا كذلك، ومن الممكن أن يكون هذا الرأي يستحق الدراسة والبحث.