لأول مرة في تاريخ البشرية، يجتاح وباء العالم وبعضه منكشف على بعض ومتواصل فيما بينه. ففي منتصف شهر ديسمبر من العام الفائت ولِد «فيروس كورونا» أو ما يُعرف طبياً باسم Coronavirus disease (COVID-19)، وإذا كان الفيروس قد انتشر في أول ظهوره في مدينة «ووهان» وسط الصين، وتحديداً بين أشخاص يعملون في «سوق هوانان للمأكولات البحرية»، فإن هذا الوباء سرعان ما أطلّ برأسه المخيف على دول كثيرة حتى غزا معظم دول العالم، وأصبحت البشرية تعيش تحت هاجس وباء قاتل اسمه «كورونا».

بعد مضي قرابة ثلاثة أشهر، صار وباء كورونا يشكّل ورطةً وامتحاناً عسيراً وعالي الكلفة للدول والمؤسسات والأفراد، في شتى بقاع الأرض. فبدءاً من انخفاض رحلات الطيران حول العالم بنسبة تقارب 70 في المئة، مروراً بانشغال أعلى إدارات الدول بالوباء، عبوراً على توقف دوام طلاب المدارس والمعاهد والجامعات، وكذلك اهتزاز حركة الناس في المجمعات التجارية والأسواق والمطاعم، وصولاً للتجمعات البشرية الخاصة، بما في ذلك التجمعات واللقاءات الأسرية. جميع هذه الأنشطة الإنسانية أصيبت بما يشبه الشلل، ووضعت قدرة الإنسان الفكرية والعلمية وتقدمه على المحك في مواجهة فيروس لا يُرى بالعين المجردة، ومحاولة العثور على لقاح يصده ويقف في وجهه.

Ad

«كورونا» أصاب بالهلع والشلل مختلف مناحي الحياة، ومؤكد أنه أصاب الثقافة حول العالم بمقتل، حين فرض حظراً على التجمعات واللقاءات البشرية. وانعكس ذلك واضحاً من خلال تأجيل معارض الكتب، وإلغاء آلاف المحاضرات والندوات والأمسيات حول العالم. لكن، يبدو أن معاناة ووجع الثقافة العربية سيكونان كبيرين. فلأسباب كثيرة، ليس المجال لذكرها، تأتي الثقافة العربية في ذيل سلم الأولويات بالنسبة لحكومات الدول العربية، هذا إن جاءت. ولذا ما كان أمام المفكر والمبدع العربي، كاتباً وروائياً وقاصاً وشاعراً ومسرحياً وتشكيلياً وموسيقياً وصحافياً وإعلامياً، ما كان أمامه سوى أن ينتخي بالتجمعات الثقافية العربية، لتكون وصلاً ولقاءً وحواراً مع أخية العربي ومع الآخر الأجنبي، ولتكون من جهة ثانية مجالاً واسعاً لعرض منتجه الفكري والإبداعي والثقافي والإعلامي وإيصاله للآخر. صحيح أن معارض الكتب العربية قد أُجلت: الرياض، وأبوظبي، والبحرين، وغيرها، لكن الصحيح أيضاً أن هذا التأجيل خاضع لقدرة العثور على لقاح يقف في وجه الكورونا، وخاضع لتجاوز الإنسان العربي رعب الخوف من وصول العدوى إليه.

مؤكد أن المفكر والمبدع العربي سيبقى في مسلكه الحياتي اليومي، وأنه سيعيش الحدث اللحظي كما سائر البشر، وأنه لن يترك قراءاته ولا كتاباته. لكن، يلزم النظر في إعادة جدولة مسارنا اليومي ليتلاءم والظرف الجديد. فمجموعة كبيرة من المشتغلين بالفكر والعلم والإبداع، وجدوا أنفسهم في وضع جديد، يحتم عليهم البقاء في بيوتهم، أو يحتم عليهم القيام بعملهم الاعتيادي بطريقة جديدة. وأخيراً، وجدوا أنفسهم يترقبون ويتابعون الأخبار عبر المحطات الفضائية وعبر شبكات التواصل الاجتماعي، وكلهم أمل في إيقاف انتشار الوباء، ففي إيقافه بدء تحركهم للعودة إلى حياتهم الطبيعية، وكأن هذا المرض الذي يصيب الأبدان، أصاب بدن الثقافة بالشلل ومس رئتيها حتى صارتا لا تستطيعان التنفس.

إن مهمة المفكر والأديب في الأزمات تتحول إلى مهمات، فإلى جانب سيره في درب إعمال العقل والفكر في القراءة والكتابة، فإن مهمة جديدة ومقدسة تبرز له، وتتمثل في أن يحاول جاهداً مساعدة البشر كل البشر بفكره ووعيه. وليس أقل من تقديم وجهة نظر صحيحة وعلمية وبعيدة عن الإشاعات المخيفة. وليس أقل من إدخال شيء من الاطمئنان عبر مساعدة الناس على الوعي بحجم الوباء وعدم الهلع والهرولة في دروب التشتت.

الفكر والإبداع والوعي هبة من الله للإنسان، وليس أجمل من أن تكون في خدمة البشر ما أمكن ذلك.