إذا ألغيتَ رحلتك إلى البندقية وطلبتَ قناعاً جراحياً للوجه مقابل سعر باهظ، فإليك توقّعا مرعبا آخر: بحلول شهر أبريل سيواجه آلاف الناس خليطاً من الأمراض المعدية وسوء الأحوال الجوية، لكن لا داعي للهلع! هذا الحدث سبق أن وقع منذ سنتين في بريطانيا، بين العامين 2017 و2018، سجّل مكتب الإحصاءات الوطنية البريطانية فائضاً في حالات الوفاة المرتبطة بفصل الشتاء، بمعدل 50 ألف و100 شخص، كان السبب يتعلق على الأرجح بسلالة الإنفلونزا الطاغية ومفعول لقاحات الإنفلونزا وحرارة الطقس الشتوية التي كانت أقل من المعدل الطبيعي.

لا شك أن كورونا (Covid-19) فيروس خبيث جداً، لكن ليس بقدر ما نتخيل! ويبدو أنه لم يُصِب جهازنا التنفسي بقدر ما أصاب مشاعر القلق الدفينة في داخلنا، حتى يوم الاثنين الماضي، تأكدت 79331 حالة عالمياً، جميعها في الصين باستثناء 2069، وسُجّلت 2595 حالة وفاة في الصين و23 في أماكن أخرى من العالم، لكن ماذا عن الإنفلونزا الموسمية؟ وفق تقديرات "المراكز الأميركية للسيطرة على الأمراض والوقاية منها"، تتراوح حالات الوفاة الناجمة عن هذه الإنفلونزا الشائعة بين 291 ألف و646 ألف حالة وفاة سنوية على مستوى العالم. بعبارة أخرى، حتى لو زادت حالات الوفاة المرتبطة بفيروس كورونا بمئة مرة خلال الأسابيع أو الأشهر المقبلة، فلن يصل معدّلها إلى الحد الأدنى من الوفيات التي تسببها السلالات المعروفة من الإنفلونزا.

Ad

كم شخصاً منا يضع قناع الوجه بسبب الإنفلونزا الشتوية؟ وما عدد الرحلات التي تُلغى بالطائرات أو القطارات حول العالم؟ وهل تنهار البورصة لهذا السبب؟ ثمة مبرر لتوسّع القلق من فيروس كورونا أكثر من الإنفلونزا العادية، فلا يزال الفيروس الجديد مجهولاً وما من لقاح فاعل ضده حتى الآن، لكن تزداد معلوماتنا عنه مع مرور الأيام، وفي الوقت الراهن يقتصر خطر الوفاة بسببه على 1% أو أقل، وغالباً ما يقتل المصابين أصلاً بمشاكل صحية سابقة، وأي شخص آخر يموت بسببه سيكون سيئ الطالع بكل بساطة!

تنتشر هذه الهستيريا بشأن فيروس كورونا لأننا نخلط بين التدابير الوقائية والمخاطر، فنحن نشاهد إجراءات عزل المدن الصينية ووضع الناس في الحجر الصحي وإغلاق المصانع وإخلاء الشوارع (باستثناء عدد صغير من الأشخاص الذين يضعون الأقنعة على وجوههم)، ونعتبر هذه التطورات مؤشراً على خطر حاد ووشيك، ولو لم تتخذ الصين هذه التدابير الجذرية لكبح المرض، لما كنا قلقنا بالقدر نفسه.يبدو أننا مصابون بنوعٍ من "رهاب الصين" في طريقة تعاملنا مع هذا المرض المُعدِي، ومن الملاحظ أن أي مرض جديد مصدره الصين يكسب صفة "الوباء" فوراً، مع أن أمراضاً مثل "سارس" وإنفلونزا الطيور بالكاد تنطبق عليها صفة "الوباء"، ويبدو أن فيروس كورونا يتماشى على أكمل وجه مع مخاوفنا من تجسس "هواوي" على هواتفنا وإقدام شركات التصنيع الصينية على سرقة وظائفنا، ولا تجعلنا الأمراض الصادرة من بلدان أخرى نطلق العنان لمخيلتنا بالطريقة نفسها، حيث سادت موجة قلق وجيزة في عام 2014، حين ظهر فيروس الإيبولا في غرب إفريقيا (قتل منذ ذلك الحين 11310 أشخاص عالمياً)، لكن إذا أردنا أن نقلق من أي مرض مُعدٍ، فيجب أن نقلق في المقام الأول من السل، فوفق تقارير منظمة الصحة العالمية، سُجّلت 10 ملايين حالة جديدة في عام 2018 عالمياً، فضلاً عن 1.45 مليون حالة وفاة، و4672 حالة في إنكلترا، ومع ذلك لم يُقدِم أحد على شراء قناع للوجه، فكم واحداً منا يعرف أصلاً أن بؤرة مرض السل تقع في الهند التي تُسجّل 27% من الحالات عالمياً؟

على صعيد آخر، يبرز سبب مختلف للهلع المفرط من فيروس كورونا، وهو يرتبط بظاهرة حديثة تجعل الناس يترقبون أسوأ الأحداث، فقد سبّب كورونا هذا القلق لأنه ظهر في الوقت المناسب، وفي نهاية يناير الماضي، انتهت خطة "بريكست" من دون تسجيل أي حادثة سلبية، ولم تتفاقم المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، ثم تلاشت الحرائق الأسترالية بعدما أجّجت الحملات التي تنذر بأسوأ الكوارث المناخية (مع أن عدد حرائق الغابات العالمية تراجع في آخر عقدين).

ثم ظهرت أخيراً سلالة جديدة من المرض وبدأت جولة أخرى من الهلع، لكن تبرز مؤشرات قوية على تجاوزنا نوبات القلق القصوى، وخلال الأيام السبعة التي سبقت تاريخ 24 فبراير، سجلت منظمة الصحة العالمية 6398 حالة جديدة في الصين، بعدما بلغ هذا العدد 13002 في الأسبوع السابق، ثم اقتصر على 415 حالة يوم الإثنين، ويبدو أننا سنضطر قريباً للقلق من حدث آخر، نيزك يضرب الأرض؟ أم حادثة غريبة أخرى مرتبطة بالطقس بعد انتهاء العواصف؟ لا أحد يعرف مصدر القلق المقبل، لكننا سنجد ما يشغلنا حتماً!

* روس كلارك

* «ذا سبيكتيتور»