• حدثنا عن اختصاصات المحكمة الدستورية العليا في مصر؟

Ad

- أهم هذه الاختصاصات الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح، ومن هنا جاءت تسمية المحكمة، وهو اختصاص تشترك فيه مع كل المحاكم الدستورية على مستوى العالم، غير أن الدستور والمشرّع المصري اسند إلى المحكمة الدستورية العليا اختصاصات أخرى في مهمة جداً، أبرزها فض تنازع الاختصاص القضائي بين المحاكم وفض تناقض الأحكام النهائية الصادرة من عدة جهات قضائية، وتفسير التشريعات والقوانين والنظر في طلبات الأعضاء، حتى لا يلجأ بعض أعضاء المحكمة الدستورية إلى محكمة أخرى، وهو ما يحفظ استقلال العضو، كما أن هناك اختصاصا مهما، هو فصل المحكمة دون غيرها في منازعات التنفيذ التي تنشأ نتيجة إصدار أحكامها، حتى لا تتدخل جهة قضائية أخرى في إعاقة تنفيذ حكم الدستورية العليا.

وأود أن أورد ملحوظة مهمة في هذا السياق، انه قبل دستور عام 2014 كان الأثر الذي نتيجته الحكم بعدم الدستورية وحده ملزمٌ للجميع، وينشر في الجريدة الرسمية، وكان ذلك في الأحكام الصادرة في المواد الدستورية، ولكن دستور عام 2014 جعل جميع الأحكام الصادرة في كل اختصاصات المحكمة المذكورة سلفا ملزمة للجميع أيضا، وتنشر في الجريدة الرسمية.

• لماذا توقف اختصاص المحكمة الدستورية المصرية بتفسير نصوص الدستور بعدما كان للمحكمة العليا اختصاصا سابقا بذلك؟

- هذه مسألة كانت بين أخذٍ وردٍ مدة طويلة، وأنا أعلم أن المحكمة الدستورية في الكويت تفسر الدستور، وأيضاً في بعض الدول العربية والأجنبية، ولكن من الناحية الفنية البحتة فإن اختصاص اي محكمة بتفسير النص الدستوري بصورة مباشرة يحدث إشكالية، فالنظام السائد في تفسير القوانين هو أن يلجأ وزير العدل بناء على طلب من احدى سلطات الدولة الثلاث لتقديم طلب لتفسير نص قانوني، وقد تفسر المحكمة النص أو تنتهي لعدم قبول الطلب لعدم استيفاء الشروط القانونية، لكن في تفسير الدستور لو عُمل بنفس الكيفية بأن يتقدم وزير العدل، بناء على طلب إحدى سلطات الدولة الثلاث، بطلب تفسير نص دستوري مباشرة فقد يحدث إشكالٌ، فالدستور عبارة عن ثلاثة أجزاء: الأول خاص بالمبادئ والمقومات، والثاني والثالث يتعلقان بتنظيم سلطات الدولة والنصوص الاخرى المتعلقة بالحقوق والحريات بعيدا عن المقومات الأساسية، فلو اختصت المحكمة الدستورية بتفسير الدستور مباشرة لأحدثت إشكالية، لأنها ستكون حكما بين السلطات، ومن الجائز جدا أن تتدخل في اعمال سياسية.

تأثر القاضي بالرأي العام يوجب تنحيه

بسؤاله كيف يتعامل القاضي الدستوري مع القضايا التي امامه وهو تحت تأثير الرأي العام عندما يتناول مسألة مفصلية كتفسير نص تشريعي ودستوري او دستورية قانون يمثل خلافا شعبيا، أكد المستشار جبالي ان المبدأ السائد في القضاء ان القاضي لا يقضي بعلمه وهو محايد تماما ومتجرد تماما، ومن صفات القاضي ايضا ضرورة التمتع بالثبات الانفعالي، والتجرد كأنه لا يسمع ولا يرى، ويتحيد تماما في بيته لدراسه القضية، وهو متمرس على ذلك وإذا تأثر القاضي بما حوله اصبح غير صالح للدعوى، ولو رأى أنه قد يتاثر برأي معين من واجبه ان يتنحى ويرفع الامر المحكمة لاستبداله بقاض اخر وبالتالي القاضي يتجرد من اللحظة الاولى الى اللحظة الاخيرة في القضية التي يتناولها وفي قانون المرافعات هناك طرق لرد القضاء حتى من الخصوم، كما ان نفسية القاضي تتشكل عبر تاريخ طويل في القضاء لا من يوم وليلة.

وهناك رأي آخر يقول بأحقية المحكمة الدستورية في تفسير نصوص الدستور، وهذا الموضوع كان محل مناقشة علمية موسعة بين اتحاد المحاكم والمجالس الدستورية العربية، علما بأن المحكمة الدستورية الكويتية عضو في هذا الاتحاد، وقد توليت أنا الامانة العامة لهذا الاتحاد، الذي نظم ملتقى علميا موسعا عن تأويل الدستور وتفسيره، وقُدمت خلاله ابحاثة قيمة جدا نتج عنها أن تأويل الدستور يتم بطريقتين: إما مباشرة، وهي لجوء وزير العدل أو إحدى السلطات لطلب تفسير نص دستوري من المحكمة الدستورية، وهذا ما ينتج عنه اشكالية، أما الطريقة الأخرى فهي تفسير وتأويل الدستور بمناسبة قيام المحكمة الدستورية العليا بمباشرة اختصاصاتها، فمثلاً في الرقابة على دستورية القوانين واللوائح لابد للمحكمة الدستورية، وهي تستعرض أي قضية دستورية، ان تسرد الوقائع ثم تسرد القوانين ثم تسرد النصوص الدستورية الحاكمة في المسألة المطروحة، وهنا تقوم المحكمة الدستورية بتفسير نص الدستور محل الدراسة والبحث في القضية لمعرفة ما اذا كان التشريع يخالف النص الدستوري من عدمه، وهنا التفسير يكون غير مباشر ويتم بمناسبة طعن ولا مطعن عليه، وهي طريقة مطبقة ومحببة ولا تثير مشاكل بين سلطات الدولة، ولكن هل في المستقبل سيحدث ذلك؟ أقول انه لابد ان يأتي تفسير الدستور في الدستور ذاته، فالدستور هو الذي يخبر بكيفية تفسير نصوصه، ولا يصح أن يسند ذلك الى المشرع، ومن الجائز أن يأتي التطور التاريخي في بلد مثل مصر بعد فترة من تطبيق الدستور الحالي، بالحاجة إلى تفسير نصوص دستورية حاكمة تطبيقها يثير العديد من المشاكل.

• في رسالة الدكتوراه الخاصة بك تطرقت إلى مسؤولية الدولة عن تعويض الأفراد عن القوانين التي تقضي المحكمة بعدم دستوريتها فكيف ذلك؟

- انتهيت من رسالة الدكتوراه وناقشتها وأنا عضو صغير في المحكمة الدستورية العليا المصرية، ووقتئذ كنت أشغل وظيفة عضو هيئة مفوضين في المحكمة، وأثارتني فكرة التعويض عن القانون المخالف للدستور، فأردت البحث في هذا الموضوع وسافرت الى فرنسا، حيث إن مجلس القضاء الفرنسي لجاء الى مسؤولية الدولة عن القوانين استنباطا من مسؤوليتها عن اعمالها، وهي مسؤولية الدولة عن المخاطر بصرف النظر عن الخطأ، واستهواني الموضوع وأعددت رسالة الدكتوراه، وفي خاتمتها قلت: «أوصي بأن يكون ذلك احد اختصاصات المحكمة الدستورية العليا في مصر»، بأن تعوض عن القانون المخالف للدستور.

وفي هذا الأمر تفصيل، وأود أن أضرب مثلا به: نفترض ان احد المواطنين مُتهم في قضية جنائية واثناء سير القضية حُبس المتهم من اول درجة، ثم وصلت القضية الى منتهاها امام محكمة النقض التي رأت براءته، سواء بإلغاء حكم محكمة الجنايات او بإعادة القضية ثم الفصل فيها في النهاية بالبراءة، فهذا المتهم انتُقصت من عمره سنوات طويلة ولا ذنب له نتيجة تشريع خاطئ مخالف للدستور، ألا يستحق تعويضاً عن النص القانوني الذي ادى الى سجنه ثم اكتُشف انه نص مخالف للدستور؟ ولكن كيف يتم هذا التعويض، إذاً لابد من نص دستوري يعطي للمحكمة الدستورية الحق في تعويض هذا المواطن، لأن الدستور السابق كان يحدد اختصاصات المحكمة بصورة واضحة لاسيما

مخاصمة القضاء

عما إذا كان قانون مخاصمة القضاء يؤثر على نفسية القاضي ام هناك قضاة يستحقون هذا النوع من المخاصمة، قال المستشار جبالي إن دعوى المخاصمة المنظمة في قانون المرافعات مهمة جدا فما الذي يضير القاضي وهو نزيه ومتجرد وله حيادية، وبالتالي يجب الا يخاف القاضي من دعوى المخاصمة التي تنظرها محكمة اخرى، فهي دعوى مسؤوليه تتهمه في ذمته ومن مصلحته ان يؤكد براءة ذمته ونزاهته، ولو افترضنا جدلا ان هناك قاضيا ما شابه بعض الانحراف والاخطاء ويستحق المخاصمة والتعويض والفصل فأنا أؤيد ذلك فمن مصلحة القضاء ان يطهر نفسه بنفسه اولا باول.

اختصاصاتها بالرقابة على دستورية القوانين، أما الدستور الحالي فقال، فيما معناه، انه من الممكن ان تضاف اختصاصات اخرى بنص القانون، وهو ما اتاح للمشرِّع ان يضيف اختصاصات اخرى للمحكمة، وفي رأيي ان المشرِّع المصري يمكنه اصدار قانون باختصاص المحكمة الدستورية بالتعويض، لاسيما ان التعويض متفرع عن رقابة الإلغاء، وهي الرقابة على دستورية القوانين، وهذا امر مهم جدا يحقق العدالة من جميع الزوايا، إذ لا يتم الغاء النص لعدم دستوريته فقط، بل ايضا تعويض المتهم الذي حوكم او سجن بناء على نص مخالف للدستور، ويستفيد من ذلك جميع المتهمين محل التحقيق والمحبوسين بناءً على هذا النص ويُقضي لهم بالتعويض. وأعتقد أنه استشرافاً للمستقبل، من الممكن جدا أن تختص المحكمة الدستورية العليا بجناحَي الدعوة الغاءً وتعويضاً، كما سار عليه قضاء مجلس الدولة.

• ألا ترى بأن حكم المحكمة بعدم الدستورية يرتب زوال النصوص بأثر رجعي وليس فورياً؟

- لي تصحيح لما دُرج عليه بعض الكتاب او بعض الأحكام إذ إنها تتحدث عن اثر رجعي، والأصل القانوني والصحيح انه اثر كاشف ولا يعود الى الماضي بالمعنى المعروف في رجعية القوانين بل يكشف عن عيب التشريع منذ صدوره وسريانه وتطبيقه، فهذه هي القاعدة العامة، فلو ارتأت المحكمة الدستورية العليا او اي محكمة دستورية في اي دولة اخرى ان نصا تشريعيا مخالفا للدستور فإنها تقضي بعدم دستوريته، ومن العدالة والمنطق ان يعدم هذا النص من ولادته كأنه لم يوجد، لأنه صدر وطُبق وهو مخالف للدستور، فالمبدأ الأساسي والقاعدة العامة ان الحكم بعدم الدستورية يطبق بأثر كاشف، اما الأثر الفوري فإن قانون المحكمة الدستورية المصرية كان يسير على فكرة الأثر الكاشف منذ انشاء القضاء الدستوري في مصر حتى عام 1998، حيث صدر قانون خاص بالضرائب نص على أن تسري أحكام المحكمة الصادرة بعدم دستورية نص الضريبة بأثر فوري فيما عدا المدعي، حتى لا يضار بطعنه. والسؤال هنا هو لماذا نص المشرع على الأثر المباشر في الضرائب؟

وأقول إن هذه المسألة تحتاج إلى شرح، لأن الفقه لم يتناولها بالتفصيل، فالنصوص الضريبية يطبق فيها الأثر الفوري لعدم الدستورية، لأن تحصيل الضرائب، وهي إحدى روافد الإيرادات العامة في ميزانية الدولة، يتم عن سنة مالية معيّنة، وحتى يرفع المدعي الدعوى تكون هذه السنة المالية قد انقضت، ودخلنا في سنوات جديدة، وبالتالي يكون قد تم إنفاق الإيراد المحصّل من المواطنين في مشروعات مثل رصف الطرق والتعليم والإسكان والصحة والضمان الاجتماعي وغيره، بمعنى أن الدولة لم يعد لديها أي أموال من الميزانية السابقة، فكيف تعمل الأثر الكاشف؟

ولذلك تأتي هنا فلسفة الأثر الفوري في النظام الضريبي، فمبلغ الضرائب صرف لمصلحة المواطنين، وحين القضاء بعدم دستورية، فهذا يعني وقف النص الضريبي فور الحكم، ويتم استثناء المدعي من الأثر الفوري، ويسترد ما دفعه من ضرائب هو ومن كان في مركزه القانون.

سلطة تقديرية

غير أن هناك مسائل أخرى تركها المشرّع للسلطة التقديرية للمحكمة، ومثال على ذلك أن المحكمة قد تقضي بعدم دستورية نص، وترى أن الأثر الكاشف له آثار جسيمة على الدولة، والمجتمع، وهنا يتضح دور المحكمة الدستورية العليا، إذ لا يمكن أن تهدم الدولة، لأنها جزء منها تحافظ عليها وعلى كيان المواطنين.

فبعض الأحكام لو نطقت المحكمة الدستورية بها وسكتت، لخرج المواطنون الى الشوارع، مثل الأحكام الخاصة بالإيجارات.

وأضرب لك مثلا حديثا على ذلك، إذ طُعن على النص الخاص بالإيجار للأشخاص الاعتبارية، الشركات والمؤسسات والمساكن والمنشآت المؤجرة للحكومة نفسها في المدارس والمستشفيات، فهل يسري الحكم هنا بأثر رجعي؟ بمعنى إخلاء المستشفيات والمدارس فورا، بالطبع لا، فضلا عن أن الأثر الفوري في هذه الحالة له مخاطر جسيمة، وهنا يحدث الأثر المستقبلي، فالمحكمة الدستورية العليا قضت بعدم دستورية نص الإيجار للأشخاص الاعتبارية الذي يجعلها مقيمة في العقارات بصفة أبدية، وهنا لو سكتت المحكمة فور الحكم، فسيشمل ذلك جميع المباني الحكومية وغيرها من المؤسسات الخاصة، غير أنها قررت أثرا مستقبليا لعدم دستورية نص الإيجار للأشخاص الاعتبارية، بأن يسري الحكم في الفصل التشريعي التالي للفصل التشريعي الحالي الذي صدر فيه الحكم، وبذلك تكون المحكمة قد أعطت للأشخاص الاعتبارية مهلة سنة أو أكثر لكي توفّق أوضاعها، سواء بالاتفاق مع المالك على زياده الإيجار أو تحرير عقد جديد، أو إخلاء المبنى في هذه الفترة والانتقال الى مبان أخرى بيسر وسهولة، ومن هنا تأتي أهمية وخطورة دور المحكمة الدستورية في استعمال السلطة التقديرية في الأثر الفوري والأثر المستقبلي.

إخلال جسيم

وهناك قضية أخرى قضت المحكمة فيها بأثر كاشف، إذ كان هناك نص في قانون التأمين الاجتماعي مضت عليه سنوات طويلة يفيد بأنه لو كان هناك زوج وزوجة موظفين في الحكومة أو جهة عامة أو خاصة، ويتقاضيان معاشا وتوفي الزوج، وكانت الزوجة تتقاضى معاش الزوج، غير أن هذا النص كان يخلو من العكس، بمعنى أنه لو توفيت الزوجة لا يتقاضى الزوج معاشها، وهنا رأت المحكمة أن هذا النص به إخلال جسيم بمبدأ المساواة، وقضت بعدم دستوريته.

حجية مطلقة

• ألا تجد أن هناك مفارقة في اعتبار أن للأحكام الدستورية حجية مطلقة سواء كانت الأحكام بالرفض وعدم الدستورية ؟

- يحوز حكم المحكمة الدستورية في حالتي رفض الطعن أو عدم دستورية النص الحجية المطلقة، لأن المحكمة وهي تبحث القضية من بدايتها لا تعلم ما الذي ستنتهي اليه، فالقضية تكون أمامها مادة خام تتناولها هيئة المفوضين بالبحث، وتبدي فيها رأيها، ثم تُعرض على المحكمة التي تصدر حكمها، والمحكمة لا تعرف من البداية إن كان النص محل الطعن يخالف أم يوافق الدستور إلا بعد البحث والمداولة ثم إصدار الحكم، وهنا تقلب المحكمة النص الدستوري محل البحث على جميع نصوص أحكام الدستور الذي تتصل به، وهو ما يعنى أنها تعطي أهمية للقضية أيّاً كان حكمها، فإذا كان بعدم الدستورية يتضح بجلاء ووضوح مخالفة النص التشريعي لأي نص أو أكثر من نصوص الدستور، وكذلك في حاله الرفض، فالمحكمة تتيقن تماما من أن هذا النص لا يخالف الدستور، إذن البحث دقيق في الحالتين، ودائما أحكام الرفض أصعب كثيرا من أحكام عدم الدستورية، فلو هناك نص تشريعي مخالف لنص الدستوري بصورة مباشرة وواضحة، فهنا تقضي بعدم الدستورية دون بذل جهد كبير.

حجج جديدة

وفي حكم الرفض تقول المحكمة الدستورية في آخر سطر لها بحيثيات الحكم: «كما لا يخالف هذا النص أي أحكام أخرى في الدستور»، وهو ما يعني أن المحكمة أجهدت نفسها في البحث بالدستور كله، واستعرضت جميع نصوصه، فكيف نقول بعد ذلك إن أحكام الرفض لا تحوز حجية مطلقة، ولو قلنا إن أحكام الرفض لا تحوز حجية مطلقة، فستحدث هنا إشكالية أخرى، فالمسألة ستتسع وسيأتي المدعي بحجج جديدة، ولكن من دون أدلة على عدم الدستورية للنص.

لكن ماذا لو قال أحدهم إن النص الذي رُفض الطعن بعدم دستوريته عُدل بعد ذلك، وأضيفت اليه كلمة أو حرف أو استثناء أو قيد، ألا يخضع بعد ذلك التعديل لرقابة المحكمة؟ هنا أقول إنه يخضع، لأن النص بعد التعديل يخضع للرقابة من جديد، فقد يكون التعديل عبر إضافة نقطة تخالف الدستور.

• ماذا أضافت تجربة هيئة المفوضين في المحكمة الدستورية، وهل ترى ضرورة تبنّي مثل هذه الفكرة في بلدان أخرى مثل الكويت؟

- تجربة هيئة المفوضين في المحكمة الدستورية العليا فى غاية الأهمية، والدليل على ذلك أن من المحاكم الراسخة في الرقابة الدستورية، المحكمة العليا الأميركية، فالقاضي في هذه المحكمة لديه ما يُعرف بـالـ «كلارك»، وهو الباحث الذي يجمع له النصوص والتعديلات والمواد العلمية وجميع الآراء في بحث متكامل، أي يقوم بوظيفة المفوض، ولكن ليس تحت اسم المفوض، ويستعين قاضي المحكمة الأميركية بباحثين آخرين من علم النفس والاجتماع والطب والهندسة في القضايا المطروحة أمامه.

والدستور المصري والمشرّع المصري أحسنّا صنعا بأن جعل اختصاص هيئة المفوضين بهذه الأبحاث.

وأنا أنصح الإخوة والمحاكم الدستورية العربية بتبني فكرة هيئة المفوضين، وفي ذلك حجة قوية، فالمحاكم الدستورية كلها على درجة واحدة للتقاضي، ولكن بوجود هيئة المفوضين تكون للمحكمة الدستورية شبه درجتي تقاضٍ، ويكون هناك مجال أوسع للبحث.

قدرات عالية

• ما ر أيك بإقرار طريق الطعن المباشر للأفراد أمام المحكمة الدستورية؟

- من الناحية النظرية لا بأس بفكرة ومبدأ الطعن الدستوري المباشر، فالشرعية الدستورية هي ضمان اتفاق جميع النصوص التشريعية مع الدستور، فالدستور هو نتاج لارادة الشعب كله، والسلطة العليا في الدولة دائما هي السلطة المؤسِّسة، اي سلطة الشعب، لا السلطة المؤسَّسة، وفكرة الطعن المباشر تتفق مع سلطة الشعب ومع الشرعية الدستورية، وبالتالي نظريا يستطيع كل مواطن ان يلجأ الى المحكمة الدستورية مباشرة لاستجلاء مدى اتفاق النص او مخالفته للدستور، وقد شاركتُ كمستشار في المحكمة الدستورية البحرينية، والمحكمة هناك تتبنى فكرة الطعن المباشر بالنسبة لسلطات الدولة، سواء مجلس الشورى أو مجلس النواب أو مجلس الوزراء والملك في صورة الرقابة السابقة، وأنا مع هذه الفكرة تماما من الناحية النظرية أي إعمال الشرعية الدستورية بمعناها الواسع لضمان اتفاق كل النصوص التشريعية مع الدستور، ولكن مصر لم تأخذ بفكرة الطعن المباشر، فالمعمول به لديها ثلاثة طرق للطعن، الاولى: الدفع بعدم الدستورية امام محكمة الموضوع، والثانية احالة محكمة الموضوع مباشرة الى المحكمة الدستورية قضية منظورة امامها ترى ان فيها نصا او عدة نصوص مخالفة للدستور، والطريقة الثالثة هي ان تتصدى المحكمة الدستورية، اثناء نظرها لقضية تدخل في اختصاصها، في مسألة الدستورية وتقرر أن هناك نصاً مخالفاً للدستور فتعيد القضية لهيئة المفوضين لاعداد تقرير في هذه النقطة، وبالتالي هذه هي الوسائل التي تضمن للمواطن حقه في اللجوء للمحكمة الدستورية العليا فمن الناحية العملية من مصلحه المواطن أن يلجأ اولا لمحكمة الموضوع لا المحكمة الدستورية، فقد تعطيه حقه من المرة الاولى وقد تحيل الامر للمحكمة الدستورية لتحدد بدقة مواطن الخلل في النص التشريعي من الناحية الدستورية، وكل ذلك في مصلحة المواطن، الى جانب أن الدول الكثيرة العدد لا يمكن ان يتم الطعن المباشر امام المحكمة الدستورية فيها لانها ستتوقف عن عملها حينئذ وهو ما ليس في مصلحة المواطن.

استقلالية القضاء

بسؤاله، هل المؤسسة القضائية في مصر بحاجة الى التطوير والاستقلالية والحصانة وتشريعات اخرى في سبيل ذلك، أكد المستشار جبالي أن القضاء المصري يتمتع باستقلال مالي واداري كامل بحكم الدستور، فالدستور جعل لمجلس الدولة والمحكمة الدستورية وهيئات القضاء ميزانية تصرفها جهات القضاء وتوزع على ابواب بنود الميزانية، وكل رئيس جهة قضائية هو الرئيس الاداري الاعلى لهذه الجهة وله سلطة تأديبية كذلك. ولفت إلى أن مصر شهدت تطورا وتطويرا حاسما للعمل القضائي في الفترة الاخيرة، مثل تعدد درجات التقاضي امام محكمة الجنايات كما أصبح للنيابة العامة استقلالية بعدما كانت تتبع وزير العدل وأصبحت جهة من جهات القضاء، فالدستور المصري ضمن استقلالية القضاء وحدد طريقة تعيين القضاة من الالف الى الياء.

ولكن قد يحدث ذلك في دولة عدد سكانها قليل وتفرض رسوما كبيرة على الدعوى مثل الكويت، وهنا أنا اؤيد هذه الفكرة في مثل هذه الدول، وعليه فإن الطعن المباشر تحوطه ظروف واقعية تمنع من العمل به في مصر وقد يحدث ذلك في المستقبل مع وضع مجموعة من الضوابط كرفع رسوم الدعوى، وإضافة عدد من القضاة للمحكمة الدستورية لتستطيع الفصل في القضايا التي امامها، علما أن المحكمة الدستورية العليا تفصل سنوياً في 500 قضية في المتوسط، وهذا يستهلك طاقة القضاء وهيئة مفوضي المحكمة.

• هل يتطلب عمل المحكمة الدستورية هل تفرغاً من قضاتها؟

- بالتأكيد، فالمحكمة الدستورية العليا عن طريق جمعيتها العامة تختار افضل العناصر واكثرها كفاءة، والقاضي الدستوري متفرغ دائما لان عمله يستغرق كل وقته في بيته، و90 في المئة من وقت القاضي في بحث وكتابة الاحكام تتم في بيته وهذا معروف، إذن القاضي الدستوري أرجّح فكرة تفرغه التام لعمله كما يحدث في مصر.

• ما رأيك في رسوم دعوى الطعن وهل تؤيد زيادتها؟

- قديما كنا نقول ان رسم الطعن في القضية الدستورية 25 جنيها والكفالة بـ 25 جنيها اي المجموع 50 جنيها وكنا ندافع في الماضي عن هذا الرسم باعتبار ان الاسعار كانت متوازنة، وللعلم هذه الرسوم تقدم في القضايا الدستورية فقط اما في قضايا التنازع وتناقض الاحكام فلا توجد رسوم وكذلك في القضايا المحالة من وزير العدل ومن محاكم اخرى تكون بلا رسوم، ومن هنا لابد من زيادة الرسوم لتأكيد جدية رفع الدعوى وحتى لا يضيع وقت المحكمة.

وفي كلمة أخيرة أكد جبالي أن المواطنة هي أحد أجنحة مبدأ المساواة، فهي تكفل للمواطن المصرى أياً كانت ديانته ذات الحقوق والمزايا المكفولة لباقي المواطنين، أما الشخص الأجنبي فتحميه نصوص الدستور، ولذلك فمبدأ المواطنة مهم جدا في مصر، فلدينا مسلمون ومسيحيون ويهود مصريون، ولذلك كفل الدستور المساواة للمواطنين المصريين كافة بصرف النظر عن ديانتهم.