لم يعد أحد يشكّ في مخاطر ارتفاع ضغط الدم، ذلك «القاتل الصامت» الذي لا يترافق مع أعراض واضحة. لكن تؤدي هذه المشكلة الشائعة إلى تضرّر الأوعية الدموية في أنحاء الجسم، فتزيد مخاطر النوبات القلبية والجلطات الدماغية وأمراض الكلى وتسبّب مشاكل أخرى.لكن احتدم الجدل في السنوات الأخيرة حول التوقيت المناسب لأخذ الأدوية التي تعالج ارتفاع ضغط الدم ومدى قوة العلاج، لا سيما بالنسبة إلى المسنين. يشير بعض الدراسات في هذا المجال إلى أن تخفيض معدل ضغط الدم المثالي يؤدي إلى تراجع المضاعفات المحتملة على مستوى القلب والأوعية الدموية. لكن تعتبر دراسات أخرى أن زيادة ذلك المعدل خطوة منطقية بالنسبة إلى معظم الناس، نظراً إلى الأضرار الناجمة عن الآثار الجانبية للأدوية، من بينها التعب والسعال وحتى انخفاض ضغط الدم الذي يسبب الدوار والإغماء.
مقاربة شخصية
الدكتور راندال زوسمان، طبيب قلب في «مركز كوريغان مينهان للقلب» في مستشفى ماساتشوستس العام التابع لجامعة هارفارد، يقول في هذا الشأن: «أؤيد أن يتلقى كل شخص علاجاً فردياً يلبّي حاجاته ويحقق أهدافه ويراعي المخاطر المطروحة عليه». لكنه يؤكد أنه يتجه مع خبراء آخرين في مجال ضغط الدم إلى تبني استراتيجية تخفيض المعدل النموذجي: «يجب أن يكون ضغط الدم الانقباضي أدنى من 140 طبعاً. وإذا كان هذا الهدف سهل التحقيق، ربما نُخَفّض المعدل المستهدف بدرجة إضافية». لكن لا تعني هذه المقاربة أن ينخفض المعدل المثالي لدرجة أن يسبب الدوار أو الدوخة، علماً بأن تراجع ضغط الدم يطرح أحياناً خطورة على الناس في عمر الخامسة والسبعين وما فوق.عوامل مؤثرة
العمر عامل مؤثر طبعاً عند تحديد ضغط الدم المثالي وأفضل طريقة لبلوغه. لكن يتأثر كل شخص باعتبارات أخرى، بدءاً من العوامل التي تنعكس على القلب والأوعية الدموية (ارتفاع مستوى الكولسترول أو السكري) وصولاً إلى مشاكل صحية كداء الارتجاع الحمضي، أو فرط نشاط المثانة، أو تضخم البروستات.تحدّث إلى طبيبك كي تعرف ضغط الدم المثالي في حالتك واستفسر عن السبب. في الوقت نفسه، راقب وزنك وتجنب الملح ومارس التمارين الجسدية بانتظام. إذا لم تنجح تلك الاستراتيجيات، ناقش مع طبيبك خيارات الأدوية وقيّم منافعها وآثارها الجانبية المحتملة. نظراً إلى وجود أكثر من 200 دواء مختلف لمعالجة ضغط الدم، يمكنك أن تحافظ على معدل آمن من دون أن تتأثر نوعية حياتك.طوال عقود، ساد إجماع عام حول توقيت أخذ الأدوية التي تعالج ارتفاع ضغط الدم: يجب أن يبدأ العلاج حين يبلغ الضغط الانقباضي 140 مليمتراً زئبقاً وما فوق أو حين يبلغ الضغط الانبساطي 90 مليمتراً زئبقاً وما فوق. تلتزم «جمعية القلب الأميركية» و»الكلية الأميركية لأمراض القلب» بهذه التوصيات حتى الآن رغم الدعوات الحديثة إلى تخفيض المعدلات النموذجية أو رفع مستواها.في أواخر عام 2015، شجّعت دراسة «سبرينت» التي انتشرت على نطاق واسع (شملت أشخاصاً معرّضين لأمراض القلب في عمر الخمسين وما فوق) على تخفيض معدل ضغط الدم النموذجي. وثّقت الدراسة تراجع حالات النوبات القلبية والجلطات الدماغية وقصور القلب بنسبة 25 في المئة لدى الأشخاص الذين التزموا بمعدل 120 مليمتراً زئبقاً مقارنةً بمن التزموا بمعدل 140 مليمتراً زئبقاً. لكن كانت حالات الإغماء ومشاكل الكلى أكثر شيوعاً ضمن الفئة التي سجلت أدنى المعدلات.في بداية عام 2017، نشرت مجموعتان طبيتان بارزتان (الكلية الأميركية للأطباء، والأكاديمية الأميركية لأطباء الأسرة) توجيهات توصي بأن يبقى ضغط الدم الانقباضي أقل من 150 مليمتراً زئبقاً بالنسبة إلى الأشخاص الأصحاء في عمر الستين وما فوق. فيما يخص الأفراد الذين تعرضوا سابقاً لجلطة دماغية أو نوبة إقفارية عابرة (يتوقف وصول الدم إلى جزء من الدماغ لفترة قصيرة) أو يواجهون عوامل خطر كارتفاع معدل الكوليسترول أو البدانة أو السكري، توصي التوجيهات بأن يبقى المعدل أقل من 140 مليمتراً زئبقاً. نُشرت التوجيهات في 17 يناير 2017 في «حوليات الطب الباطني» وارتكزت على 21 تجربة عشوائية، من بينها دراسة «سبرينت».لكن جمعت دراسة أخرى نُشرت في فبراير 2017 في «المجلة الأميركية للطب» نتائج من دراسة «سبرينت» ومن 16 تجربة أخرى. استنتج الباحثون أن المعدل الوسطي (أقل من 13 مليمتراً زئبقاً) يضمن أفضل توازن بين الفاعلية وبين سلامة المريض.