في النهاية كان سقوط حلب مدوّياً! قبل أسبوع أمّنت القوات الموالية للرئيس السوري بشار الأسد محيط المدينة كله واستولت على البلدات والقرى التي تحمّلت الاعتداءات طوال عشر سنوات تقريباً، هكذا انتهت رسمياً المعركة على أكبر مدينة في سورية وعاصمتها الصناعية السابقة.

سارع الدكتاتور السوري إلى إعلان النصر، ورغم عدم انتهاء الحرب بالكامل بعد، فإن التقدم الحاصل في الحملة العسكرية كفيل «بتمريغ أنوفهم بالتراب» كما يقول، كان يشير في كلامه طبعاً إلى المقاتلين المتمردين الذين انسحبوا فجأةً وتخلّوا عن معاقلهم، فضلاً عن 40 ألف مدني جمعوا مقتنياتهم، وفق مصادر الأمم المتحدة، وهربوا من قوات الأسد المتقدمة.

Ad

يسيطر الأسد راهناً على الطريق الذي يربط بين دمشق وحلب للمرة الأولى منذ سنوات، وتم افتتاح مطار حلب الدولي أبوابه ومن المتوقع أن يضاعف عمله في أقرب فرصة.

تُضاف هذه الخطوة إلى انتصار النظام الذي يأمل تسريع عودته إلى أحضان المجتمع الدولي وتلقي الأموال التي يحتاج إليها لإعادة إعمار البلد.

لا شك أن سقوط حلب السريع سيعقّد المحادثات بين تركيا وروسيا، علماً أنها تهدف إلى وقف سفك الدماء في إدلب المجاورة. سبق أن هرب أكثر من 800 ألف شخص من القتال هناك منذ بداية ديسمبر، فوجدوا ملجأً لهم بالقرب من الحدود التركية في ما يُعتبر أسوأ كارثة إنسانية في هذه الحرب.

تعهد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بمنع النظام من الاستيلاء على إدلب، لكن يأتي انتصار الأسد في حلب ليضعف قبضته ويؤجج الاضطرابات في منطقة غير مستقرة أصلاً.

لا أحد يعرف ما سيحصل في إدلب لأن المصالح الجيوسياسية متداخلة جداً والوضع العسكري متقلب للغاية، الأمر المؤكد الوحيد هو أن المدنيين السوريين سيدفعون الثمن.

توضح ردود أفعال السوريين على سقوط حلب على مواقع التواصل الاجتماعي حجم الانقسام في البلد، فقد تراوحت بين مواقف الأسى والحزن من جهة وعبارات النصر من جهة أخرى، وتُظهِر الفيديوهات والصور المتدفقة من تلك المدينة أشخاصاً يحتفلون بطرد الجماعات التي يعتبرونها جهادية وإرهابية لأنهم ما عادوا مضطرين لتحمّل القصف العشوائي. عاش البعض معاناة كبيرة بسبب عصابات ادّعت تمثيل الثورة على النظام بهدف استغلال الحرب لمصلحتها.

من جهة، راح المدنيون الذين يعيشون في فقر مدقع ويخضعون لنزوات الجهاز الأمني التابع للأسد ويتعرضون للتعذيب بسببه يهللون لانتصاره على إرهابيين مزعومين كانوا يعيشون بدورهم في رعبٍ دائم من الضربات الجوية والقنابل المتساقطة.

ومن جهة أخرى، تأسّف الناس لأنهم اعتبروا ما حصل مؤشراً على نهاية الطريق، وبنظر معارضي النظام، كانت الهزيمة في حلب أشبه بنهاية واقع وحشي، مما يعني أن سورية الأسد ستستمر وأن مدينتهم لم تعد لهم لأنهم لا يستطيعون أن يعيشوا مجدداً مع أشخاص سلبوهم كل ما يملكونه واحتلفوا بقتلهم جماعياً.

لا يمكن مواساة هذه الفئة من الناس، وما حصل في حلب، وفي سورية ككل، هو ما يحصل دوماً حين يتجاهل العالم أجمع طموحات شعب كامل، وهذا ما يحصل عندما يسود الظلم، لكنّ الذل لا يزرع بذور سلامٍ دائم، بل يُمهّد دوماً لصراعات مستقبلية.

قد يتعلم الخصوم في سورية يوماً أن يتعايشوا معاً، لكن حتى الآن يبقى البلد متصدعاً في أماكن كثيرة!

*كريم شاهين