تعرض حزب بهاراتيا جاناتا الذي ينتمي إليه رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى هزيمة مدوية في الانتخابات التشريعية التي جرت في دلهي، وكان وزير الداخلية الهندي أميت شاه قاد حملة حاسمة اتسمت بالطائفية بهدف تعزيز تقدم الوطنية الهندوسية وتحجيم الطائفة الإسلامية في تلك المدينة، كما حاول تصوير المعارضة وحزب آم أدامي وقادته على شكل خونة للبلاد.

وعلى الرغم من ذلك، ومن أصل 70 مقعداً في دلهي فاز مودي وحزب بهاراتيا جاناتا بثمانية مقاعد فقط، فيما فاز حزب آم أدامي بقيادة أرفند كيجريوال الذي عمل رئيساً لحكومة دلهي منذ عام 2015 بـ 62 مقعداً.

Ad

وكان كيجريوال ركز في حملته الانتخابية على سجل الحوكمة وعلى أهمية التحسين الذي حققه في قطاع خدمات المستشفيات العامة وجودة التعليم والبنية التحتية في المدارس وتكلفة الطاقة الكهربائية في دلهي.

واختارت دلهي كيجريوال بسبب أدائه كوزير رئيسي فيما شوه حزب بهاراتيا جاناتا صورة مودي في نظر العامة إذ لم يطرح أي مرشح لحكومة دلهي يتسم بدرجة أكبر من الإقناع بالنسبة إلى كيجريوال وفريقه.

وربما خسر مودي وحزبه الانتخابات لكنهما كسبا المعركة الآيديولوجية من خلال وضع شروط السياسة الانتخابية: من أجل النجاح في الانتخابات في الهند لم يعد مقبولاً التحدث عن المساواة في الحقوق المتعلقة بالمواطنة والحقوق السياسية للمسلمين الهنود أو التحدث ضد العنف والعداوة التي تتعرض لها تلك الطائفة.

أجواء الانتخابات العاصفة

جرت الانتخابات في الهند فيما كانت البلاد تشهد موجات متواصلة من الاحتجاجات ضد قانون الجنسية الذي أقرته حكومة مودي في شهر ديسمبر الماضي ويجعل الديانة أساس التجنس. كما أن القانون الجديد يتسم بتمييز ضد المسلمين ويعزز أجندة الوطنيين الهندوس حول إعادة رسم الهند على شكل أمة ذات أكثرية هندوسية.

وكان وزير الداخلية السيد شاه قد أصر على أن يعقب قانون الجنسية ما وصفه بسجل وطني للمواطنين والذي يطالب المواطنين بتقديم طائفة من الوثائق التي تثبت جنسيتهم الهندية.

وأعرب المسلمون والليبراليون في الهند عن خشيتهم من أن يتحول سجل التجنيس إلى أداة من أجل استثناء أو التهديد باستثناء المسلمين الهنود من الجنسية.

وخلال الشهرين الماضيين انتشرت موجة الاحتجاجات ضد قانون الجنسية والسجل الوطني في شتى أنحاء البلاد من الجامعات إلى الأحياء الإسلامية الفقيرة، ومن المناطق الحدودية البعيدة إلى شوارع بوليوود السينمائية.

حملة القمع

في الخامس عشر من شهر ديسمبر الماضي هاجمت شرطة دلهي بقسوة الطلاب في جامعة «جاميا ميليا إسلامية» التي تضم عدداً كبيراً من الطلاب المسلمين. وبعد حملة العنف الشديدة تلك تجمع عدد من النساء من «شاهين باغ» – وهي طبقة عاملة – وذات أكثرية إسلامية مجاورة للجامعة من أجل الاحتجاج ضد قانون الجنسية وتم تعطيل حركة المرور الى المنطقة.

وأعقب ذلك ازدياد أعداد المحتجين كما احتشد كل معارض هندي لقانون الجنسية أمام الجامعة المذكورة للتعبير عن التضامن والتأييد لتلك الخطوة. ومر اليوم شهران من فصل الشتاء القاسي وتستمر النساء في موجة الاحتجاج على الرغم من الطقس البارد وهجمات النشطاء الوطنيين الهندوس.

وتجدر الإشارة إلى أن حزب مودي كان يستهدف طوال الحملة الانتخابية في دلهي «شاهين باغ» كما حاول إثارة مخاوف الهندوس في المدينة عن طريق التركيز على الطابع الإسلامي في موجة الاحتجاجات وهي سمة كانت معتادة في خطاباته لكنها تعززت خلال الحملة الانتخابية في دلهي، كما دعا شاه وهو رئيس حزب بهاراتيا جاناتا أيضاً أنصاره إلى تشديد الحملة المضادة للمسلمين لإبعادهم عن مراكز الاقتراع.

في غضون ذلك، وزير الدولة الهندي للشؤون المالية أنوراغ ثاكور وهو زميل السيد شاه أطلق في أحد مهرجانات دلهي الانتخابية شعاراً مسيئاً للمسلمين قائلاً إن «هؤلاء الخونة يجب قتلهم». وبعد عدة أيام فتح اثنان من الوطنيين الهندوس النار على الطلاب والمحتجين في جامعة «ميليا إسلامية» في «شاهين باغ».

إثارة مخاوف الهندوس

من جهة أخرى، حاول بارفيش فارما وهو نائب في البرلمان من حزب مودي إثارة مخاوف الهندوس عندما وصف المحتجين في «شاهين باغ» بالقتلة والمغتصبين قائلاً «سوف يدخلون إلى منازلكم ويغتصبون أخواتكم وبناتكم ويقتلوهن، توجد فرصة اليوم ومودي وأميت شاه لن يسرعا إلى إنقاذكم غداً».

وشبه قادة آخرون في الحزب «شاهين باغ» بباكستان ووصفوا الانتخابات في دلهي على شكل سباق بين الهند وباكستان.

أما السيد كيجريوال فقد هاجم قانون التجنيس وزعم أنه يهدف إلى صرف الأنظار عن فشل رئيس الوزراء مودي على صعيد الاقتصاد لكنه تفادى مهاجمة المنطق الهندوسي خلال الانتخابات كما تجاهل الهجمات على المسلمين.

وعندما دخلت قوات الشرطة إلى حرم جامعة «ميليا إسلامية» وهاجمت الطلاب التزم كيجريوال الصمت ولم يعلق على العملية عدة أيام، وعندما سئل عن موجة الاحتجاجات التي انطلقت في دلهي قال إنه كان سيقمع تلك الموجة خلال ساعتين لو أن قوات الشرطة كانت تحت إمرته وسيطرته.

تأكيد هويته الهندوسية

ومن أجل تأكيد هويته الهندوسية عمد كيجريوال إلى ترديد الأغاني الدينية الهندوسية في صلواته وزار أحد المعابد بعد وقت قصير من خطاب فوزه. وحرص بشكل أساسي على تبني النسخة الناعمة من سياسة الهندوس وإظهار دعمه لقضيتهم من دون تحفظ.

وتشير انتخابات دلهي إلى دخول الهند فترة يحدد فيها الهندوس الشروط العقائدية واللغة السياسية للبلاد. ومن أجل الحصول على درجة من المنافسة في الأوساط الانتخابية سوف تكون الأحزاب السياسية في حاجة إلى الالتزام بضمان قدر من مفاهيم الوطنيين الهندوس والآراء التي طرحها رئيس الوزراء مودي.

وتجدر الإشارة إلى أن ما يوصف بـ «إجماع مودي» قد ضمن العجز السياسي للمسلمين في الهند وإخراجهم من الصورة السياسية أيضاً. وبعد 73 عاماً من الاستقلال لا يزال المسلمون في الهند يقاتلون من أجل الحصول على مساواة في المواطنة. وإضافة إلى ذلك يعرض المسلمون حياتهم للخطر ليس لأجل نيل المساواة في الوظائف والتعليم بل لأجل المحافظة على الوضعية القانونية في البلاد.

ويذكر في هذا الصدد أن موجة الاحتجاجات ضد قانون الجنسية الجديد تماثل الصرخة الأخيرة من أجل إنقاذ كرامتنا قبل أن نتحول إلى مواطنين من الدرجة الثانية أو ما هو أسوأ من ذلك أي أن نحرم من الجنسية الهندية.

وفي الانتخابات وفي حين يقترع معظم الناخبين من أجل الحصول على فوائد مادية وتطلعات سياسية تم تقليص دور المسلمين في انتخابات الهند إلى حد الاقتراع على أمنهم وسلامتهم، وعلى الرغم من تجاوز كيجريوال وحزبه للقضايا المتعلقة بالمسلمين فإن مسلمي دلهي أيدوا بشكل كبير حزبه لأن ذلك الحزب لم ينشط في معاداتهم.

القراءة الصحيحة للهزيمة

لكن ترجمة هزيمة حزب مودي في دلهي ومشروعه حول الأكثرية الهندوسية على أنها ضربة مؤلمة سوف تكون خطأ الى حد كبير. فقد أظهرت دراسة حديثة أن أربعة أخماس ناخبي دلهي أيدوا مودي وأن ثلاثة أرباع ناخبي دلهي أعربوا عن رضاهم عن حكومته الفدرالية.

وليس من الواضح ما إذا كان نموذج كيجريوال في الحوكمة الجيدة وتقديم الخدمات مع تجاهل الجوانب الطائفية يمكن أن يصلح في مناطق أخرى غير دلهي، فمنذ انطلاق الحركة الوطنية الهندوسية كان هدفها الوحيد يتمثل في السيادة الهندوسية، ولا يوجد سياسي يمكن أن يتحدى مودي وحزبه في تلك النظرة المركزية، وربما خسر مودي وحزبه الانتخابات لكنهما ربحا المعركة العقائدية.

*آسيم علي