في وقت تستعد روسيا للاحتفال بالذكرى الـ75 لانتصارها في الحرب العالمية الثانية، في مايو المقبل، يواصل الرئيس فلاديمير بوتين الدفاع باستماتة عن الزعيم الشيوعي السوفياتي الراحل جوزيف ستالين، ويتصدّى بقوة لدعوات تطالب بفتح الأرشيف السرّي المتعلق بقيام الدولة السوفياتية بقتل الملايين من مواطنيها.

Ad

«الرعب العظيم»

وعلى سبيل المثال، يوجد في مدينة بوتوفو أكثر من 200 ألف ضحية بمقبرة جماعية في قرية سابقة ترجع لعهد القياصرة، على بعد نحو 32 كيلومترا خارج موسكو. وقتل بعضهم بالغاز في شاحنات كانت تقلهم وهم يرتدون ملابسهم الداخلية إلى ساحات القتل خلال حملة "الرعب العظيم" التي نفذها ستالين بين عامي 1937 و1938.

وقال كيريل كاليدا، وهو قس أرثوذكسي روسي كان جدّه ضمن القتلى، وهو جزء من حملة تهدف إلى الكشف بشكل تام عن مصير ضحايا قمع ستالين: "نريد معرفة الحقيقة... يجب ألا نحاول التستر عليها".

مخاطر كبرى

وفي اجتماع عُقِدَ في ديسمبر الماضي للمجلس الروسي لحقوق الإنسان، اتسم رد بوتين بالتشكك على دعوة لإنشاء قاعدة بيانات عامة عن عمليات القتل التي تمت في عهد ستالين، قائلا إن هناك "مخاطر كبرى" تتعلّق بفتح سجلات الشرطة السرية (إن كيه في دي) إبان عهد ستالين.

وأضاف بوتين: "نعرف الطريقة التي عملت بها الشرطة السرية خلال حقبة ثلاثينيات القرن الماضي... ربما لا يكون الأمر دائما سارّا بالنسبة للأقارب إذا ما جرى فتح ملفات أسلافهم".

إبادة الصفوة

وفي عام 2007 قام بوتين بزيارة مدينة بوتوفو. وبفضل رئيس استخبارات يتسم بالتفكير الليبرالي في موسكو في مطلع تسعينيات القرن الماضي وشهادة ضابط رفيع المستوى من جهاز الاستخبارات الروسية السابق (كيه جي بي)، تم تحديد هوية الضحايا الذين دفنوا في المدينة، والبالغ عددهم 20 ألفا و762 شخصا، وكان بينهم ألف قس أرثوذكسي وزعيم الجالية اليهودية السوفياتية وفرقة مسرحية من منطقة البلطيق، وشخصيات روسية بارزة.

وقال كاليدا، الذي رافق الرئيس الروسي خلال زيارته لبوتوفو عام 2017 "كانت العصبية واضحة على بوتين". وكاليدا مسؤول اليوم عن موقع جرى فيه إقامة نصب من الغرانيت حفرت عليه أسماء الضحايا وتواريخ إعدامهم.

وأضاف كاليدا: "بالنسبة له، لم تكن الزيارة سهلة، وقد قال إنه جرى إبادة صفوة الأمة".

وتتضمن الوثائق المعروضة في بوتوفو وصفا قدّمه شهود عيان للسجناء وهم يحتضرون جراء إطلاق غاز أول اكسيد الكربون عليهم وهم داخل شاحنات. ووفقا لكاليدا، قد يصل عدد المدفونين في الموقع إلى 30 ألف شخص.

وتوجد مقابر جماعية مماثلة في جميع أنحاء الاتحاد السوفياتي السابق، وتم اكتشاف عدد قليل منها فقط. وخلال عصر ستالين الذي استمر حوالي 3 عقود، حتى وفاته في عام 1953، قامت الشرطة السرية بسجن أو ترحيل أو إعدام ما يقرب من 27 مليون مواطن، حسب متحف "غولاغ" للتاريخ الذي تموله الدولة.

كما توفى الملايين جراء المجاعة في أعقاب حملة مصادرة واسعة النطاق نفذتها الدولة للحبوب والأراضي الزراعية بموجب سياسة المزارع الجماعية القسرية التي كان يطبّقها ستالين.

وقالت إيلينا زيمكوفا، المديرة التنفيذية لمنظمة "ميموريال" الحقوقية، والتي تنفذ حملة لفتح الملفات الخاصة بحقبة حكم ستالين "عدم الحديث عن الشر يعني أن الناس تنسى. ماذا يمكن أن يحدث إذا رفضوا في ألمانيا مناقشة جرائم النازية؟".

«الطاقم 29»

ويلجأ البعض إلى المحاكم، وقد حصلت مجموعة من المحامين في سان بطرسبورغ يطلق عليها "الطاقم 29" المتخصص في تمثيل لأسر ضحايا القمع، الأربعاء الماضي، على حكم بالاطلاع على الملفات الخاصة بإيليا زاكون، الذي كان قد توفي داخل أحد سجون لينينغراد خلال الحصار. وقال المحامي مكسيم أولينيتشيف إن هذا أول حكم من نوعه تشهده المدينة خلال عدة سنوات.

«معاهدة مولوتوف»

على مستوى آخر، يشدد بوتين من لهجة خطابه ضد القوى الغربية بسبب معاهدة "مولوتوف - ريبنتروب" التي أبرمت في عام 1939 بين ستالين والزعيم النازي الألماني أدولف هتلر.

وفي سبتمبر الماضي، نددت روسيا بقرار البرلمان الأوروبي الذي ساوى بين ألمانيا النازية والاتحاد السوفياتي، وقال إن صفقة سرية تضمنتها المعاهدة بينهما لاستقطاع بولندا ودول البلطيق "مهدت الطريق" أمام اندلاع الحرب العالمية الثانية.

وأبلغ بوتين زعماء الجمهوريات السوفياتية السابقة في ديسمبر الماضي بأن "الكرملين" اضطر إلى التوقيع على معاهدة "مولوتوف ريبنتروب" (التي تعرف رسميا بمعاهدة عدم الاعتداء بين ألمانيا والاتحاد السوفياتي السابق) لكسب الوقت لإقامة دفاعات البلاد بعدما خانت بريطانيا وفرنسا الاتحاد السوفياتي، وتوصلتا إلى اتفاقية ميونخ مع هتلر في عام 1938.

وقال بوتين في خطاب بثّه التلفزيون الرسمي في روسيا "إنهم يريدون تحويل المسؤولية عن اندلاع الحرب العالمية الثانية من النازيين إلى الشيوعيين".

ولطالما هاجم بوتين بولندا، متهما إياها بــ "التآمر" مع هتلر، وفي اجتماع عقده مع قادة عسكريين في 24 ديسمبر الماضي، وصف السفير البولندي لدى ألمانيا النازية بأنه "خنزير معاد للسامية".

أمة لا تعتذر

وجعل بوتين الانتصار في الحرب محور جهود أيديولوجية لحشد الروس وراء رؤيته الخاصة بأمة قوية لا تعتذر عن ماضيها، وقادرة على الوقوف في وجه الغرب في أعقاب الانهيار المهين للقوة العظمى السوفياتية.

وهي رؤية تتعارض مع أعمال القمع الجماعي إبان حقبة ستالين وتاريخ الاحتلال السوفياتي لأوروبا الشرقية بعد الحرب.

وعمل بوتين على تأجيج الشعور بالوطنية للاحتفاظ بالدعم الشعبي في خضم المواجهة مع الولايات المتحدة وحلفائها، على خلفية ضم موسكو لشبه جزيرة القرم في عام 2014، وتدخّلها عسكريا في شرق أوكرانيا، في الوقت الذي تحمل المواطنون الروس وطـأة 5 سنوات من تراجع الدخل بسبب العقوبات الدولية على بلادهم.

وتتزامن الاستعدادات للاحتفال بالذكرى الخامسة والسبعين للانتصار في الحرب العالمية الثانية، مع تغييرات دستورية من شأنها أن تسمح لبوتين بالاستمرار في حكم روسيا بعد انتهاء ولايته الرئاسية الحالية في 2024.

ويهدد دفاع بوتين عن ستالين وعن السجل السوفياتي بتقويض جهود موسكو لتخفيف حدة التوترات مع الغرب. ويبحث الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون في دعوتين لحضور العرض العسكري التقليدي الذي يقام في الميدان الأحمر يوم 9 مايو، في حين أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حضوره.