في الأسبوع الماضي قُتِل عدد من كبار أعضاء تنظيم "تحريك طالبان باكستان" في أفغانستان، لكن لم تكن حركة "طالبان" الباكستانية الجهة الوحيدة التي تكبّدت خسائر كبرى، بل قُتِل أيضاً منذ بضعة أيام في إيران عضو بارز في "الجيش الجمهوري البلوشي"، وهو تنظيم مسلّح معروف باستهداف مصالح باكستان.

قُتِل أعضاء من "طالبان" الباكستانية و"الجيش الجمهوري البلوشي" في حين كانت الولايات المتحدة و"طالبان" الأفغانية توشكان على توقيع اتفاق سلام في أفغانستان.

Ad

يذكّرنا مقتل عدد من القادة المسلحين والمعادين لباكستان في أفغانستان وإيران بتطورات سابقة، حيث كوفئت مبادرات باكستان الرامية إلى مساعدة واشنطن في أفغانستان بتحرك ضد جماعات تعتبرها باكستان عدوة لها. إذا كان الوضع كذلك، فقد نشهد على حملة مستهدفة وواسعة النطاق ضد "تحريك طالبان باكستان" في أفغانستان خلال الأسابيع والأشهر المقبلة.

تجدر الإشارة إلى أن الشيخ خالد حقاني، الذي كان من أهم أعضاء "تحريك طالبان باكستان"، قُتِل في الأسبوع الماضي خلال عملية نفذتها قوى الأمن الأفغانية. كانت القوات الأميركية جزءاً من العملية التي اغتالت حقاني أيضاً، وذكر "تحريك طالبان باكستان" في بيانٍ له: "لقد استشهد حقاني حين كان يقاتل عبيد الولايات المتحدة".

في السنة الماضية أعلنت وزارة الخارجية الأميركية أن "جيش التحرير البلوشي" هو تنظيم إرهابي عالمي وأن "كل من يساعد المقاتلين في الولايات المتحدة يرتكب جريمة ويصبح مُهدداً بتجميد حساباته الأميركية". كانت باكستان تدعو الولايات المتحدة إلى اتخاذ تدبير مماثل منذ سنوات، لكنها لم تصنّف "جيش التحرير البلوشي" كتنظيم إرهابي إلا حين بدأت باكستان تساعد واشنطن في ترسيخ عملية السلام الأفغانية.

وفي تطور آخر وقع في 2018، أسفرت ضربة جوية أميركية بطائرة بلا طيار عن مقتل المُلا فضل الله، الرئيس السابق لحركة "طالبان" الباكستانية في شمال شرق محافظة "كونار" الأفغانية. بنظر باكستان، كان مقتل فضل الله على الأرجح من أوائل التحركات التي تثبت فيها الولايات المتحدة استعدادها لتحقيق مصالح باكستان في أفغانستان.

في الماضي، اتّهم صانعو السياسة في باكستان القوات الأميركية والأفغانية بعدم بذل جهود كافية لاستهداف مقاتلي "تحريك طالبان باكستان" في أفغانستان، واعتبرت باكستان أن الحكومة الأفغانية وواشنطن سمحتا للتنظيم بإحكام قبضته على البلد عبر شن عملية انتقامية لمعاقبة إسلام أباد على علاقتها بـ"طالبان" الأفغانية.

برأي الكثيرين، سمحت الولايات المتحدة طوعاً لتنظيم "تحريك طالبان باكستان" بالحفاظ على مستوى معين من الوجود في أفغانستان، مما يسمح لواشنطن بمكافأة إسلام أباد مقابل تعاونها في المحادثات مع "طالبان" الأفغانية. على صعيد آخر، حققت باكستان حتى الآن مكاسب استراتيجية مقابل تعاونها مع الولايات المتحدة.

أولاً، بدأت مطالب باكستان الأساسية بمنع نشوء معاقل لـ"تحريك طالبان باكستان" و"جيش التحرير البلوشي" في أفغانستان تتحقق قبل التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة و"طالبان" الأفغانية. واجه "تحريك طالبان باكستان" خلافات متكررة على مستوى القيادة، فضلاً عن تحديات تنظيمية أخرى، وأصبح في موقف ضعف أكثر من أي وقت مضى، ويشير نمط قتل كبار الأعضاء في التنظيم داخل أفغانستان إلى تنفيذ عمليات قتل إضافية خلال الأسابيع المقبلة، في حين تقترب واشنطن من إنهاء اتفاقها مع "طالبان" الأفغانية.

ثانياً، تثبت التطورات الحاصلة أن أي اتفاق سلام بين الولايات المتحدة و"طالبان" الأفغانية سيسمح حتماً بتحقيق مصالح باكستان بطرقٍ تمنع "جيش التحرير البلوشي" و"تحريك طالبان باكستان" من تلقي دعمٍ تنظيمي في أفغانستان أو أي مكان آخر في المنطقة. قد لا تعارض الولايات المتحدة تعاوناً مماثلاً طالما تلتزم باكستان بعقد اتفاق سلام في أفغانستان.

مع ذلك، لا يزال انعدام الثقة قائماً بين القادة الباكستانيين والأفغان، وبالتالي، ستكون العمليات المتواصلة ضد "تحريك طالبان باكستان" في أفغانستان قراراً تتخذه القيادة السياسية والعسكرية الأميركية. لم يتضح بعد ما إذا كانت باكستان ستتعاون في عملية السلام حالما تنجح الولايات المتحدة في توقيع اتفاق سلام مع "طالبان" في حين تدخل هذه العملية مرحلتها المقبلة ويبدأ حوار أفغاني داخلي. قد يتخذ هذا التطور منحىً معقداً نظراً إلى اضطراب العلاقة بين باكستان وأفغانستان تاريخياً.

لكن بدءاً من هذه المرحلة، ستحصل باكستان على ما تريده: عمليات ضد "تحريك طالبان باكستان" في أفغانستان، ودعم واشنطن في مقاربتها السياسية هناك.

* عمير جمال