في حكم قضائي بارز، أكدت محكمة التمييز المدنية برئاسة المستشار فؤاد الزويد عدم احقية الافراد باللجوء الى القضاء لطلب اثبات انهم من حملة احصاء عام 1965، وذلك بإلزام الادارة المركزية للإحصاء إثبات ذلك.

وقالت المحكمة، في حيثيات حكمها، ان البيانات الاحصائية لا يجوز الاستناد اليها في ترتيب اي عبء مالي او اتخاذه دليلا في جريمة او اساسا لاي اجراء او تصرف قانوني، بل تستخدم بينةً ضد من قدم معلومات غير صحيحة تتعلق بعملية الاحصاء والتعداد، لأن الموظف المختص أو المكلف بخدمة عامة، الذي تلقى هذه البيانات من ذوي الشأن لإثباتها في الورقة التي يقوم بتحريرها، ليس له ان يتحرى صحتها، وإنما تعتبر حجة على المقر بها ورد فيها فيما يتعلق بعملية الاحصاء.

Ad

إثبات

وكانت محكمة اول درجة نظرت الدعوى التي أقامها مواطن طالب فيها بإثبات أنه وأسرته من حملة إحصاء 1965، وقررت الحكم لصالحه بإثبات ذلك، إلا ان الحكومة، ممثلة في إدارة الاحصاء، طعنت على هذا الحكم، فقررت محكمة الاستئناف تأييد حكم محكمة اول درجة، لكن الحكومة طعنت مجددا على الحكم أمام محكمة التمييز.

وقالت «التمييز» إن الحكومة، ممثلة في إدارة الإحصاء، طعنت على الحكم الصادر من «الاستئناف»، بالمخالفة للقانون والخطأ في تطبيقه.

مصلحة عامة

ولفتت «التمييز»، في حكمها، إلى أنه من المستقر في قضاء هذه المحكمة أن القرار الاداري هو ذلك الذي تفصح به جهة الإدارة عن ارادتها الملزمة بما لها من سلطة بمقتضى القوانين واللوائح، بقصد احداث اثر قانوني معين متى كان ممكنا وجائزا قانوناً، وكان الباعث عليه مصلحة عامة، وهو يتميز عن اعمال الادارة التي تخرج عن اختصاص الدائرة الإدارية المختصة نوعياً بنظر المنازعات الإدارية، بأن الأول يجب ان يكون بقصد احداث اثر قانوني معين سواء كان انشاء حالة قانونية معينة او تعديلها او الغائها بالإدارة المنفردة الملزمة للسلطة الإدارية، في حين أن تلك الأعمال سواء كانت مادية أو إجراءات تنفيذية تباشرها جهة الادارة تنفيذاً لأحكام القانون، لا يترتب عليها بذاتها اثار قانونية معينة، الا ما كان وليد إرادة المشرع مباشرة والعبرة في تحديد الاختصاص النوعي لكل جهة قضائية هي بما يوجهه المدعي من طلبات.

وقالت المحكمة: لما كان ذلك وكان البين من الأوراق ان طلب المطعون ضده في دعواه هو إلزام الطاعن بصفته بتسليمه أصل المعاملة الإحصائية بشأن البيانات الفردية لأسرته بتعداد السكان عام 1965 مطابقة للصورة الضوئية المقدمة والصادرة منه، فإن دعواه على هذا النحو في حقيقتها حسب مرماها- على النحو السالف بيانه- لا يكون القصد منها الطعن على قرار إداري سلبي، ومن ثم ينعقد الاختصاص بنظرها للدائرة المدنية. وإذ التزم الحكم المطعون فيه هذا النظر وعرض لموضوع الدعوى وفصل فيه، فإنه لا يكون قد خالف القانون ويضحي النعي عليه بهذا الوجه على غير أساس.

بيان رسمي

وأضافت أن الطاعن بصفته ينعى بالوجه الثاني من السبب الاول على الحكم المطعون فيه بالخطأ في تطبيق القانون، وفي بيان ذلك يقول إن الاوراق جاءت خالية من ثمة مصلحة واضحة للمطعون ضده في إقامة دعواه بطلب الزام الطاعن بصفته بإصدار بيان رسمي من البيانات الفردية لأسرة مورثه، بما ينتفي معه مناط قبول الدعوى، وإذ خالف الحكم هذا النظر، فإنه يكون معيباً بما يوجب تمييزه.

خصوم

وقالت «التمييز» ان هذا النعي في محله ذلك انه من المستقر في قضاء هذه المحكمة أن لمحكمة الموضوع سلطة فهم الواقع في الدعوى وإعطائها وصفها الحق دون تقيد بتكييف الخصوم لها، وإلا فإنها مقيدة في ذلك بحقيقة الوقائع والطلبات المطروحة ومقصود الخصوم منها، خاضعة في ذلك لرقابة محكمة التمييز، وإن النص في الفقرة الأولى من المادة الثالثة من القانون رقم 27/1963 في شأن الإحصاء والتعداد على أن تقوم الإدارة المركزية للإحصاء بالتعداد العام للسكان والمساكن مرة كل عشر سنوات بقرار يصدره مجلس التخطيط، وفي المادة السابقة منه على أن تكون جميع البيانات الفردية التي تتعلق بالإحصاء او التعداد سرية لا يجوز نشرها، ويحظر اطلاع الغير عليها، ولا يجوز استخدامها لغير الاغراض الاحصائية، وفي المادة الثامنة من ذات القانون على أنه لا يجوز الاستناد إلى اي بيان احصائي لترتيب اي عبء مالي، ولا يجوز اتخاذه دليلاً في جريمة او اساساً لأي اجراء او تصرف قانوني، ولكن يجوز استخدامه كبينة ضد من قدم معلومات غير صحيحة، يدل على ان القصد من بيانات التعداد العام للسكان والمساكن التي تقوم بإجرائه الادارة المركزية للإحصاء انها مجرد اهداف احصائية عن السكان والمساكن لتوحيد المعلومات بشأنها وتنسيقها وتحليلها والعمل بواسطة اجهزة الاعلام المختلفة على نشرها وإذاعتها لتحقيق اهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ولم تعد لاثبات بيانات اخرى غير البيانات الاحصائية.

ولفتت إلى أنه لا يجوز الاستناد الى تلك البيانات التي يتلقاها الموظف المختص بإجراء عملية الاحصاء والتعداد في ترتيب اي عبء مالي او اتخاذها دليلا في جريمة او أساساً لأي إجراء او تصرف قانوني إلا كبينة ضد من قدم معلومات غير صحيحة تتعلق بعملية الإحصاء والتعداد، لأن الموظف المختص أو المكلف بخدمة عامة الذي تلقى هذه البيانات من ذوي الشأن وأثبتها في الورقة التي يقوم بتحريرها ليس له ان يتحرى صحتها، وإنما تعتبر حجة على المقر بما ورد بها فيما يتعلق بعملية الاحصاء والتعداد فحسب، ومن ثم فإنها لا تتعدى الاغراض الاحصائية اللازمة لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، كما انه من المقرر ان المصلحة هي مناط الدعوى، ويقصد بالمصلحة الفائدة العلمية التي تعود على رافع الدعوى من الحكم له بطلباته، ومن ثم فلا تقبل الدعوى إذا لم يكن الخصم او المركز القانوني المطلوب حمايته بها قد وقع عليه اعتداء أو حصلت منازعة بشأنه تبرر الالتجاء إلى القضاء.

وأوضحت المحكمة أنه لما كان ذلك وكان المطعون ضده يرمي من وراء دعواه طلب إلزام الطاعن بصفته بتسليمه أصل معاملة الإحصائية بشأن البيانات الفردية لاسرته بتعداد السكان عام 1965 مطابق للصورة الضوئية المقدمة والصادرة منه، والذي يدعي وروده في بيانات الإحصاء والتعداد العام الخاص بالطاعن بصفته، ومن ثم فإن حمايته لطلبه لا يحقق له ثمة مصلحة معتبرة، وتكون دعواه من ثم غير مقبولة، وإذ خالف الحكم المطعون فيه هذا القضاء وقضى بإجابة المطعون ضده بطلبه فإنه يكون قد خالف القانون، ويستوجب تمييزه دون حاجة لبحث باقي سببي الطعن.

وحيث ان موضوع الاستئناف صالح للفصل فيه، ولما تقدم، وإذ خالف الحكم المستأنف هذا النظر، فإنه يتعين معه إلغاؤه والقضاء بعدم قبول الدعوى لانتفاء المصلحة.