منذ أكثر من خمس سنوات، ومع الزيادة الكبيرة في عدد السائحين في إسبانيا، التي أصبحت قريبة من المركز الأول للدول الأكثر استقطاباً للسياح الأجانب، الذي قارب 85 مليون سائح سنوياً، في عام 2019، في بلد يبلغ تعداد سكانه 46 مليون نسمة؛ بدأت تحتل وسائل الإعلام الإسبانية المختلفة شكوى سكان العاصمة مدريد من انتشار ظاهرة تأجير الشقق، وكذلك الغرف، داخل الوحدات السكنية للسياح الأجانب، فترات قصيرة ومتوسطة، مما أدى إلى إزعاج مستمر للسكان وزحام في المواقف ومخاطر أمنية مختلفة.

بعد انتشار تلك الظاهرة، وتنامي مكاسبها، بدأ بعض "المدريديين" تأجير منازلهم في نهاية الأسبوع والعطل والانتقال إلى الضواحي، في حين انتقل البعض الآخر إلى العيش في الأرياف وتأجير شققهم لفترات قصيرة متكررة عبر التطبيقات الإلكترونية، ومع تنامي تلك الممارسات وتذمر الإسبان منها، أصدرت بلدية مدريد الصيف الماضي قراراً بتنظيم تأجير الوحدات السكنية لفترات قصيرة ومتوسطة لأغراض سياحية، بخلاف الفنادق والشقق الفندقية.

Ad

قرار بلدية مدريد ألزم صاحب الشقة أو الوحدة السكنية، الذي يرغب في تأجيرها لفترات قصيرة، بالحصول على ترخيص مسبق من البلدية، وفق اشتراطات معينة، وضرورة مراعاة المستأجر لاشتراطات الأمن والسلامة والنظافة وأوقات تسليم وتسلم الوحدة السكنية، في أوقات مناسبة لا تزعج الجيران، وكذلك تسديد قيمة الضرائب المستحقة للدولة، ومُنح موظفو البلدية صلاحيات التفتيش على الوحدة السكنية ومطابقة أسماء المقيمين فيها مع اسم المالك المسجل لدى الجهات الرسمية، مع إعطاء الحق للسكان بتقديم شكوى إلى البلدية بحق من يستخدم منزله للإيجار دون ترخيص مسبق منها.

تذكرت تلك الإجراءات الصارمة من بلدية مدريد عند سماعي لشكوى من صديق يقيم بمنطقة القادسية في الكويت؛ يشتكي من نزوح العزاب بشكل كبير إلى المنطقة وتخريب طابعها السكني النموذجي، ورغم ما حدث منذ أشهر من قطع التيار الكهربي عن بعض المنازل، التي يسكنها العزاب، فإنهم بدأوا في التسرب مرة أخرى للمنطقة وبعض المناطق المجاورة، بالإضافة إلى الأمر الأخطر وهو شراء بعض المستثمرين للبيوت القديمة وهدمها وبناء ما يشبه العمارات وكلها شقق للإيجار، مما يزيد الزحام وكثافة السكان والضغط على خدمات المنطقة.

بالطبع فإن ظاهرة بناء عمارات لشقق الإيجار في السكن النموذجي، وتحويل بعض المواطنين طوابق من منازلهم للإيجار، هي ظاهرة سلبية دمرت مناطق سكنية عديدة، وهي الآن تنتشر بشكل كبير، خصوصاً في ضواحي جنوب السرة، مما سيحولها إلى مناطق مكتظة بالسكان والزحام بسبب الجشع وعدم تطبيق القانون، رغم أن الدولة تستطيع بسهولة، ومن خلال سجلات البطاقة المدنية، مكافحة تلك الظاهرة، ولكنها لسبب ما لا تفعل شيئاً، مما يؤدي لارتفاع أسعار القسائم السكنية ومشاكل تنظيمية مختلفة تضايق سكان تلك المناطق وتحيل حياتهم إلى مصاعب ومشقات... فمتى سنكون كـ "المدريديين" حاسمين في مواجهة مشاكلنا؟!