الحوار فن وذوق يفتقر إليه الكثير في زمن "الإنستغرام" والصراخ البرلماني! يعتقد البعض أن فن الحوار هو مجرد "تلميع" للكلام الذي يمكن أن يصل بصورة مباشرة أكثر- دون أي صقل أو تهذيب– في رأيهم، لكنه أبعد من ذلك بكثير، فهو تواصل عميق وحقيقي ما بين الطرفين ينتهي بالإشباع والنتائج المثمرة إذا ما أتقنّاه.

إن الإصغاء هو أحد أهم عناصر هذا الفن، فحسن الاستماع والحضور بكامل حواسك هو أفضل هبة ممكن أن تعطيها لمن يحادثك، فنحن بأمس الحاجة إلى من يسمعنا بالفعل في عالم جنوني سريع الإيقاع، ليس الاستماع مجرد انتظار أو اقتناص للفرصة كي يحين دورنا نحن، بل هو تماهٍ وانسجام مع المتحدث ورؤية العالم من منظوره في هذه الدقائق المعدودة، كذلك فإن حسن انتقاء الكلمات ضرورة، فلا تستخدم الكلمات الجارحة والأسلوب القاسي في الكلام، ولا داعي لاستخدام المفردات الصعبة والتشدق في القول من باب استعراض الثقافة! إن الكلمة كالسكين لها نصلٌ حاد بإمكانه أن يجرح أو يداوي، فلابد من استخدام الكلمة الصحيحة في مكانها الصحيح، وبالقراءة والثقافة تتطور القدرة على تذوق الأطياف اللامتناهية من الكلمات، فيصبح فن انتقائها أكثر سهولة.

Ad

أيضاً فإن الأسلوب الذي تُغلّف به الفكرة غاية في الأهمية، بل قد يفوق الفكرة أهميةً، وإن اللطف هو سيد الموقف في التواصل البشري، لاسيما في تلك المواقف الحرجة التي تتضمن نوعاً من المواجهة أو الاختلاف بالرأي، كذلك لابد من التوقف قليلاً وملاحظة أنفسنا حينما نتحدث. إن السرعة في الكلام قد تعكس نقصاً في الثقة بالنفس أو عدم الاتزان، فالأفكار هنا نادراً ما تكون قد نضجت بما فيه الكفاية قبل النطق بها، والسرعة في الكلام قد تسبب توتراً للطرف الآخر فتقلل من قدرته على الاستماع وتقبل الطرف الآخر، كذلك فإن الحديث ببطء شديد قد يبعث على الملل والنعاس!

وفي جميع الأحوال، فإن الإيجاز وإيصال الفكرة بأقل كلمات ممكنة مهارة مهمة للغاية، خصوصاً مع وجود الكثير من مشتتات الانتباه في عالمنا اليوم كالهاتف الذكي، هذا ما يعرف بالبلاغة والفصل في القول. إن الناس تضجر من كثير الكلام، حيث تقل قيمة الكلام بكثرته وزيادته عن لزومه. إن تحويل كل نقاش إلى مادة جدلية لأمرٌ منفر بالفعل، فالنقاش هو تواصل وتبادل لمختلف لأفكار وليس مسابقة ما ينبغي الفوز بها في كل مرة، هنا دليلٌ آخر على الشعور بالنقص والفراغ، فالمتحدث سيلاحظ من يبحث عن الثغرات في رأيه بدلاً من الاستماع إليه، فيؤدي ذلك إلى الكثير من النفور. وعلى أية حال، فإننا نادراً ما نرى أشخاصاً قد غيروا قناعاتهم بسبب جدال ما مع أحدهم! إذا أردت التأثير بالآخرين، فكن مثالاً بأفعالك.

كثيراً ما تأتينا الغيرة بصورة وعظ أو نصيحة! إن إبداء النصائح والآراء الشخصية دون أن يُطلب منا ذلك يُثقل على الآخرين فيتجنبوننا، والأجدر تحسين النفس والانشغال بعيوبها بدلاً من التدخل بخصوصيات الآخرين. لماذا لا نلاحظ الجميل في من حولنا ونثني عليهم بدلاً من النقد الدائم؟ فالكلمة الطيبة مفتاح القلوب، لكن لابد من أخذ النصيحة بصدرٍ رحب من أهل الثقة الذين يتمنون لنا الخير.

هذه مجرد بدهيات في آداب الحديث أصبح من الضروري التذكير بها الآن مع الأسف. الكلمة رفيقتنا في هذا الدرب، فلنحسن اختيارها ولنرتقِ بحديثنا.

*"تكلموا تُعرفوا فإن المرء مخبوء تحت لسانه". (علي بن أبي طالب كرم الله وجهه).