• دراستكِ الأساسية للعلوم القانونية وممارستك العمل مستشارة قانونية، ماذا أفادتكِ هذه المهنة على مستوى نصّك الشعري؟

Ad

- دراستي للعلوم القانونية لم تكن في البداية خياراً منّي وقناعة، فقد كان شغفي كبيراً بدراسة علم النفس، وكنتُ في أغلب أوقات الفراغ أزور المكتبة العمومية أو مكتبة المعهد، لقراءة كتب سيغموند فرويد، والكثير من الدراسات التي كانت تحاول الغوص في أغوار الذات البشرية، وتعريتها بأدقِّ التفاصيل، لكن حين فرض عليَّ توجيهي الجامعي هذه المادة أحببتها جداً، وأحببت ما منحتني من قوة شخصية والقدرة على إعلاء صوتي لأقولَنِي بما يسمح للغة أن تفرض روحها وجمالها وجرأتها.

وهو بالضبط ما كان يعنيه لي الشعر وكتابة القصيدة، أن أكون صوتي الذي يخبر عني وعن رؤاي، وعن كل ملامح الإنسان والأوطان كما هي، وكما يجب أن تكون، وبذلك تكون ممارستي للعمل كمستشارة قانونية والكتابة الإبداعية مسارين متوازيين.

• "وللماء ليلُهُ أيضاً"، "ظلال لامرأة واحدة"... كيف تختارين عناوين قصائدك؟

- "وللماء ليلُهُ أيضاً" هو كتابي الشعري الأول الذي صدر عام 2015 عن دار المنتدى للثقافة والإعلام بتونس، وهو مزيج بين قصيدة النثر وقصيدة التفعيلة والقصيدة العمودية، وجاء العنوان بعد أن جهزت النصوص وأنهيت إعدادها، إذ رأيت أنها تصب جميعاً في بحيرة واحدة تقريباً "الماء وتجلياته الإنسانية والنورانية مؤثراً ومتأثراً"، لاسيما أن أغلب نصوص المجموعة تحتفي بالماء؛ اصطلاحاً ومضموناً، وعلى هذا الأساس كان اختيار العنوان.

وكذلك كان الأمر بالنسبة إلى مجموعتي الثانية (ظلال لامرأة واحدة)، التي صدرت عام 2019 عن دار موزاييك للدراسات والنشر بإسطنبول، وهي مزيج بين قصيدة التفعيلة والقصيدة العمودية، وقد جاءت في أربعة أبواب: سماوات لأنثى الضوء، تراتيل أنثى الهواء، رؤى أنثى الغيم، جهات لأنثى التراب، إذ احتفيتُ هنا بالأنثى على اختلاف تجلياتها وأسمائها (المرأة، الوطن، المدينة، الذات البشرية الإنسانية)، كل ما هو أنثوي نثرتُه في هذه القصائد، وبذرت فيه روحاً وصوتاً وعطراً، ليقول ما يمكن أن يجعلنا نسمع بوضوح أكثر، ومن هنا جاء عنوان المجموعة، والذي هو عنوان قصيدة داخلها "ظلال لامرأة واحدة".

«أمير الشعراء»

• وصلتِ إلى مرحلة 15 شاعراً في مسابقة أمير الشعراء، حدثينا عن هذه التجربة؟

- "أمير الشعراء" أجمل تجربة في حياتي الإنسانية والإبداعية، فقد كنتُ قبله شاعرة، وبعده صرتُ شاعرة وإنسانة أكثر ضوءا وأكثر نضجاً، فقد كان فرصة للقاء أشخاص رائعين، والتعرف على تجارب عربية جميلة ومختلفة. كذلك هي امتحان كبير للثقة بالنفس، والإيمان بما نحن بصدد تقديمه للجمهور القارئ والمتابع. وأظن أن أغلب الذين عبروا هذه المحطة المهمة تغيَّر فيهم الكثير نحو الأفضل والأجمل، فشكراً من القلب لكل مَن جعلنا نتنفس بعمق ونحيا بشغف.

• أيهما يشغلك أكثر أثناء الكتابة: اللغة أم التقنية؟

- لا أنكر أبداً أن تقنية كتابة النص الشعري مهمة جداً، بجميع أجناسه وأشكاله، لكن كثيرين اليوم صار همّهم الوحيد عكاز التقنية، بعيداً عن الأسلوب والشعرية، اللذين يحققان ضرورة اختلاف الشاعر وتميزه عن شاعر آخر.

وعنّي، ففي بداياتي كانت تشغلني التقنية جداً، لأستطيع الإمساك بآليات كتابة النص، بكل أشكاله وأوجهه، موزوناً كان أو نثرياً، وكنتُ في صراع دائم معي ومع القصيدة، بين الإمساك بتقنياتها وفرض الشعرية، التي لا أتنازل عنها أبداً في النص.

أما بعد ذلك، وفي مراحل متقدمة من القصيدة، أصبح أكثر ما يشغلني هو الشعرية، وكيف يجب أن تكون عالية، بعيداً عن التكلف والصناعة، حتى يكون فيها ما يلزم من العمق والعذوبة والرُّقي والأسلوب، وما يجعلها تصل إلى قلب القارئ وعقله معاً.

منطلقات القصيدة

• ماذا يعني الشعر بالنسبة إليكِ؟ وما منطلقات قصيدتك؟

- الشعر بوابة المعنى ورائحة الروح، وهو حالة وجدانية عميقة وغريبة جداً، فالقصيدة عندي قد تنطلق من موقف ما، وحالة ما، وعطر ما، مررت به أو عبرني صدفة، فالروائح أكثر ما يشدني ويكتبني، لذلك تجد "فناجين القهوة... عبق النعناع... روائح الفل والياسمين التونسي" حاضرة بقوة في جل قصائدي.

أنا أرى أن الشعر لا ينفصل عن حيواتنا، بكل تمظهراتها الاجتماعية والنفسية والسياسية. فقصيدتي هي بصمتي وروحي وأسلوبي الذي أحاول قدر الإمكان أن أجمع فيه ما هو حداثي بما هو أصيل بما أؤمن به من أفكار ورؤى، والحقيقة أني لا أرضى عن نصي بسهولة.

• ما القصيدة التي شرعتِ في كتابتها وتحجَّر القلم في يدك ولم تتمكني من استكمالها؟

- قصائد كثيرة لم أستطع إتمامها، ففي أحايين كثيرة نفقد الطريق نحو القصيدة، لأسباب نفسية أو وجودية، وأحياناً نفقد الحافز للكتابة، فقد كتبت مرَّة على صفحتي بـ"فيسبوك"، أن "الشاعر إن لم يجد حافزاً للكتابة، فإنه يحاول اختراعه"، وهذا صحيح وحقيقي جداً، وليس ضرورياً أن يكون الحافز عاطفياً، فأحياناً نحتاج إلى أن نغيِّر شكل الحياة التي نعيشها، أو الانتقال من مكان إلى آخر، أو حتى أن نرى ما يجري حولنا من أحداث ومتغيِّرات بطريقة مختلفة.

• أين أنتِ من الصراع الذي يتجدد من حين لآخر بين أنصار الشعر العمودي وقصيدة النثر؟

- أنا أخجل حتى من التطرُّق لمثل هكذا موضوع، لأني أرى فيه انتقاصاً كبيراً للذات المبدعة وقيمتها الإنسانية والجمالية، فكما أرفض التطرف والعنصرية في الحياة الإنسانية، فأنا أرفضها على مستوى النص الشعري، فالجمال لا يتجزأ: قد يكون في نص عمودي أو تفعيلة أو قصيدة نثر، وأنا أكتب هذه الأجناس بكل محبة وتصالح مع ذاتي ومعها. لقد حان الوقت فعلاً لنتجاوز هذه الصراعات الواهية، والانتباه إلى ما هو أعمق وأجمل وأكثر أهمية.

• ماذا تكتبين راهناً؟

- بعد إصداري الأخير، أحاول أن أجد لي طريقاً جديداً للكتابة، يحملني إلى قصيدة مختلفة بأسلوب أجد لي فيه صوتاً متفرداً أكثر... مفاجئاً أكثر ربما.

وقد جرَّبت من قبل التمرَّد على أشكال القصيدة المعتادة وتقنياتها، كأن مزجت الموزون بالنثري، وتطاولت على بعض الضوابط على حساب الشعرية، لكن تبقى كلها محاولات سأسعى الآن إلى تحقيقها وترسيخها بجدية أكبر.