أسوأ عقاب يمكن أن يتعرض له إنسان هو إجباره على أن يقوم بأعمال لا جدوى منها، كأن يحفر حفرة ثم يعود يملأها بالتراب، ويعود لحفرها من جديد ثم يملأها، من دون توقف وبلا نهاية، أو يأمر قائد عسكري جنودَه بالصعود لتلة ثم النزول منها، ثم يأمرهم مرات ومرات بالصعود والنزول، وكذلك حين يطلب أستاذ من تلميذه بتكرار كتابة كلمة أو عبارة على السبورة عشرات المرات.

كانت الفقرة السابقة من كلمات الفيلسوفة سيمون دي بوفوار في معنى الحرية وجدوى العمل من أجلها، إلا أنه يمكن إسقاط معانيها على حكايات الفساد بالدولة، والتي يسمح بنشرها، وما جدوى ذلك النشر المحدود كي نتخيل أنه يمكن أن يضع حداً لوقف عربة الفساد؟!

Ad

يوجد لدينا اليوم سباق في الجرائد لنشر "الممكن" من قصص ألف ليلة وليلة الفاسدة، آخرها كان مانشيت "الجريدة" عن "إتلاف مستندات العلاج بالخارج"، وقبل هذا كان خبر "رشا الإيرباص" هو سيد الأخبار اليومية، وسبق ذلك خبر إحالة قضية اليوروفايتر إلى النيابة، مع التنبيه هنا إلى أن وزارة الدفاع لم ترد على ما أثارته الصحافة وصفاء الهاشم من أن الوزارة أحالت مذكرة التفاهم مع إيطاليا للنيابة، ولم تحل الصفقة بحد ذاتها أو تحدد تفاصيلها وتكلفتها، مقارنة بتكلفة عقد آخر لليوروفايتر مع السعودية!

لاحظوا أن ما ينشر يمثل الحد الأدنى المسموح بالكلام عنه، وقد نتصور في أي لحظة أنه قد يصدر أمر من جهة سياسية عليا أو قضائية بمنع النشر، حفاظاً على "المصلحة العليا" أو لمصلحة التحقيق، وتنتهي بعدها الأمور في ملف النسيان بذاكرة الزمن، حتى يهدأ حماس الناس لتلك القضايا، فقضايا مثل الإيداعات والتحويلات، وهي من أبشع الصور لفساد السلطتين التنفيذية والتشريعية، تم طيها في ملف النسيان، أو أضحى حالها يذكرنا ببيت الشعر: "تكاثرت الظباء على خراش... فلا يدري خراش ما يصيد"... فهنا أضحينا كلنا "خراشا"، وتهنا تماماً في أي قضية فساد يجب أن نبدأ بها، مع إدراكنا ويقيننا بلا جدوى الخاتمة.

فيما بين خراش التائه في تحديد صيده، وسيزيف الذي يدفع الصخرة لأعلى الجبل كي تتدحرج للأسفل من غير حد؛ تكمن مأساة هذا الشعب مع فساد الإدارة... اكتبوا على سبورة تلك الإدارات المتعاقبة: فساد دون نهاية... فساد دون نهاية... فساد دون نهاية....