• يقولُ "موباسان" إن حياة الإنسان وصورته لا تخصان الجمهور، فهل يمكن للكاتب أن يفكرَ وفق هذا المنطق في عصرٍ عنوانه الشفافية والثورة في وسائل التواصل؟

- لا أعتقد أن ذلك كان صحيحاً في أي عصر من العصور مثلاً منذ زمن سقراط، ألم يدون تلميذه أفلاطون الكثير والمثير عن علاقة أستاذه بزوجته "زانبيث"؟ لم يكن أفلاطون ليفعل ذلك لولا اهتمام الناس بما يجري وراء جدران سقراط. هنالك يقين لا يمكن تجاهله بشأن تأثير الحياة الشخصية على الكاتب، وما ينتجه، فالقارئ يتأثر، ويتابع تفاصيل الحياة اليومية لكاتبه المفضل، هذا أمر لا يمكن تجاهله في هذا الزمن المتعب بمتطلبات الاستهلاك اليومي، ويُنتظر أن يكون ظهور الكاتب محفزاً ومؤثراً، وأيضاً، في وسط هذا التشابه البائس ليس من السهل أن تحرر نفسك من التشابه عبر الاختلاف مثلاً اعتادت المجتمعات العربية صورة نمطية للأدبيات، فلم يكن من السهل إحراز صورة جديدة للمرأة الكاتبة والمثقفة، والأنيقة مثلاً الاهتمام بالهندام، وتسريحة الشعر وحتى فنجان القهوة الصباحي أمور استهجنها مجتمعنا، للأسف حدثت ردة الفعل هذه من قبل أهل الثقافة! لا تستغرب إذا قلت لك إن الوسط الثقافي هو حارس شرس للنمطيات وغالباً ما قرأت وسمعت الانتقادات على ظهوري مع قططي مثلاً من قبل زملاء المهنة، بينما جمهور السوشيال ميديا من قرّاء ومتابعين رحبوا بصوري التي كسرت المعتاد، وساهمت في تحريك الفضول الذي هو عتبة حقيقية للاهتمام والمتابعة.

Ad

فخ المضمون

• وفرت وسائل التواصل الاجتماعي فضاءً للتفاعل المباشر بين المبدع والجمهور، هل ما ينشرهُ القراءُ عن المؤلفات الأدبية يعوضُ ركود الحراك النقدي؟

- سؤالك ذكرني بعبارة أوسكار وايلد: (إن أعلى أنواع النقد، لا يختلف عن أحطّها، في أنها جميعاً تراجم لحياة الناقد على نحو ما)، أي ما أردت قوله انه قلما ينجو النقد من فخ المضمون الشخصي للناقد وموقفه منك. سأتكلم عن تجربتي، وهنا كلامي خاص، وليس عاماً، ومتعلقاً بتجربتي اليومية وتحديداً على "انستغرام"، فهو موقعي المفضل للتواصل فيه مع القراء، الذين أثبتوا "نظافة" نقدية، تجاه ما نكتب. كذلك أدوات "الانستا" تتيح تواصلاً مباشراً مع القراء. هنالك صفحات خاصة بمراجعات الكتب ولسويّات ذهنية وفكرية وعمرية مختلفة، وعادة ما أقوم بإعادة نشر منشوراتهم حتى لو تضمنت بعض الملاحظات السلبية.

• هل يمكن للكاتب أن يستفيد من آراء مُتابعيه؟ وإلى أي مدى يضيفُ لك التفاعل مع جمهورك على المستوى الإبداعي؟

- غدا التفاعل اليومي: "ريبوست، والستوري" من هواياتي، وأمنحها من وقتي بشغف، فالسوشيال ميديا أتاحت لنا علاقات حرّة وحقيقية مع القرّاء، علاقة مباشرة لا تدخل فيها أمراض النقد والحسد واستذئاب الزملاء مثلاً، في مواقع "غود ريدز" معظم الملاحظات السلبية التي تجنح إلى الإساءة الشخصية دوّنها زملاء أدباء، وتحديداً الكاتبات أو مثقفات لديهن مشاريع أدبية لم تر النور! أتعرف لا أتصور نفسي أكتب وجهة نظر سلبية علناً بعمل كاتبة أخرى؟!" مواقع القراءة تثبت حضورك ورأي القرّاء ببساطة ووضوح دون فذلكات نقدية أي على طريقة شوبنهاور: (الفكرة الواضحة سرعان ما تجد الكلمة المناسبة).

الدراسات الأكاديمية

• مع تواصل فن الروائي مع المعطيات الحياتية المتنوعة وتناول الأزمات المعاصرة في الإطار الأدبي، هل يمكن مقاربة المنجزات الإبداعية بأدوات نقدية تقليدية؟

- لم يعد ذلك مهماً أو مجدياً إلا في الدراسات الأكاديمية المختصة، كرسائل الماجستير والدكتوراه والكتب المختصة، بينما السوشيال ميديا وصفحات القراءة، هي التي تنقل عدوى الإقبال على أعمال أدبية بعينها، فقلّما يمرّ يوم دون أن يكون هنالك هاشتاغ على اسمي أو عنوان أحد كتبي سواء بنقل اقتباسات من منشوراتي أو تقييمات لأحد أعمالي وكل ذلك حالة صحية، باختصار: الهاشتاغ اليومي على اسمك أو أحد أعمالك هو أمر في مهم في الحياة الأدبية المعاصرة.

• تقولُ الكاتبة الأميركية جويس كارول أوتس انَّ المبدع يجبُ أن يعلنَ في نتاجاته مكنون فؤاده، ويكتب ما يفكر فيه ماذا عنك، هل تكتبين فعلاً ما يشكل هاجساً بالنسبة إليك؟

- يصعب عليّ التملّص مما تقوله جويس كارول أوتس فكل ما نكتبه يتغذى من نهر جوفي من الأفكار يهدر في أعماقنا وتُصاغ أعمالنا وفقاً لشكل تفكيرنا، ورؤيتنا الشخصية للحياة.

حياتنا اليومية

• الكتابة برأي فلوبير طريقة الحياة، هل تحول فعل الكتابة طريقة للحياة لدى لينا الحسن؟

- إن شكل تفكيرنا يتوافق مع ملامحنا وتفاصيل حياتنا اليومية، فالكاتب هو أسلوب قبل كل شيء، وأسلوبك الذي يدل على تقاطيع ذهنك، وملامح تفكيرك وهندامك وحضورك وطريقة ابتسامتك وشكل التقاطك لصورة شخصية، كلها أمور تشي بمضمونك، ألم يقل تولستوي: "ينصاع الشكل للمضمون"! نعم، نحن نشبه ما نكتب والبوست الذي تكتبه والصورة المرافقة هي منفذ رمزي إلى شخصيتك.