طرأت على التجارة تحولات عميقة وجذرية نتيجة المناخ التجاري الدولي الجديد، الذي يتسم بالحرية والسهولة مقارنةً بسابقه، وتعلق التجارة بحياة الفرد الاجتماعية التي تتصل بأشكال التنظيم القانوني واقع لا يمكن إنكاره، بالتالي فأي خلل أو قصور ينجم عن تنازع القوانين الوطنية في مجال التجارة على وجه الخصوص سيشكل عقبة أمام أولئك الذين يطمحون إلى اتساع وتطوير التجارة الدولية.

فنرى تضافر الهيئات الدولية ومحاولاتها العديدة إدخال شكل من أشكال الوحدة وإضفاء صفة المنطقية والعقلانية إلى قواعد التجارة، إذ اقترحت عدداً من نماذج تعاقدية، وكانت الهيئات الدولية ترمي من المطالبة بالتوحيد إلى هدفين: الأول محاولة إيجاد طرق ووسائل مرنة لتنسيق القواعد الوطنية للدول المختلفة رغبةً في اتساع الأسواق الدولية، والآخر الحصول على نظام خاص للصفقات الدولية.

Ad

لكن الإشكالية تتمحور حول الوسيلة المناسبة التي تتوحد بها القواعد التجارية وعلى الهيئة المعنية بعملية التوحيد اختيارها، وقد تكون العقود النمطية من أنجح الوسائل التي تعتمد عليها الهيئات الدولية، ذلك أن العقود النمطية لا تتطلب مفاوضات من ممثلي الدول والتي يسعون من خلالها إلى إبرام الصفقات بما ينصب في مصالحهم العامة، بل يكون بين ممارسين يقومون بعملهم بصورة غير رسمية وبعيدة كل البعد عن الإجراءات الدبلوماسية والقانونية شديدة التعقيد.

ونلاحظ النجاح جلياً في نماذج عقود مفتاح اليد الذي تم نشره في الأعراف والعادات الموحدة الصادرة عن غرفة تجارة باريس والتي تتعلق بالعمل المصرفي.

لكن هذه العقود النمطية والقواعد الموحدة تصدر عن هيئات لا تملك صلاحية المشرع ولا تستطيع أن تفرض اتفاقيات دولية، بالتالي فإن هذه القواعد لا تعدو أن تكون قواعد مكملة اختيارية تتعلق بإرادة الأفراد المتعاقدين.

وبالنظر إلى محاولة التطبيق الدولي للقواعد الموحدة نرى أن هذا التطبيق واجه العديد من الآراء المعارضة، التي كانت تتذرع في أن التوحيد عملية مضنية، وصعب أن تقوم الاتفاقيات الدولية بوضع حلول وسطى بين وجهات النظر المختلفة التي سينتج عنها لا محالة قواعد غير متكاملة ومليئة بالثغرات، وهذه الحجة مردود عليها في أنه مهما تطورت الدول وامتلكت إمكانات وكفاءات في السلك التشريعي لن تصل إلى درجة الكمال في قوانينها، لكن بطبيعة الحال يوجد مجال للتفسير والاجتهاد، فمن باب أولى أن نعطي التفسير والاجتهاد مجالاً في الاتفاقيات الدولية.

ومن أبرز الانتقادات التي وجهت لتوحيد القواعد التجارية الدولية هي اختلال ميزان تأثير الدول في التجارة، فتفاوت الدول في درجات التأثير على التجارة قد يؤدي إلى سيطرة الدول الأكثر تأثيراً في التجارة على القواعد التجارية الدولية دون الدول الأقل تأثيراً، فلا يمكن التوحيد إلا بالتوازن النظري بين المصالح الاقتصادية المختلفة، وهذا ما قد ترفضه الدول صاحبة التأثير الأقوى جملةً وتفصيلاً.

وخلاصة القول، إن توحيد التجارة الدولية مطلب دولي تجاري يسعى إليه العاملون بالتجارة الدولية، لكن تحقيق هذا المطلب مستعصٍ إلى حد كبير بسبب اختلاف الثقافات والمدارس القانونية.

* باحثة قانونية